الرئيسية arrow من هنا عرمان arrow عرمان بقلم الاستاذ المحامي متروك صيموعة
  ::عرمان:: الشهيد البطل الملازم شرف .. أسامة اكرم حمزة   ::عرمان:: ثلاث أعوام على تأسيس صفحة عرمان بنت الجبل   ::عرمان:: الشهيد البطل الملازم شرف أشرف فوزات الدبيسي   ::عرمان:: عرمان تستقبل شهيدها الثاني والعشرون   ::عرمان:: الشهيد البطل الملازم شرف مدين محمود الدبيسي   ::عرمان:: تكريم كتيبة جلاميد عرمان للشاعر باسم غسان عمرو   ::عرمان:: حفلة الشعار في مضافة الشيخ أبو فؤاد حسين نعيم السويداء عرمان   ::عرمان:: شهيد عرمان سمير محمد رشيد /خويص   ::عرمان:: من عرمان ماهر غالب الزغير   ::عرمان:: عاشت سورية   ::عرمان:: من عرمان البطل فادي بسام صياغة بطل سجن حلب المركزي   ::عرمان:: شهيد عرمان سمير محمد رشيد /خويص   ::عرمان:: من عرمان "زويا الزغير".. وصفة طبية خاصة للشطرنج   ::عرمان:: من عرمان الشهيد البطل كاظم نصر شروف   ::عرمان:: بعدن عالبال رجالك ياعرمان   ::عرمان:: من عرمان الشهيد البطل طلال منصور الحداد   ::عرمان:: مطحنة "عرمان".. صوت آلة ينبض الحياة   ::عرمان:: شهيد قرية عرمان رائد ابراهيم بركة   ::عرمان:: شهيد عرمان البطل حسين تيسير المقت   ::عرمان:: من عرمان أسامة زيد ياغي متفوق على مستوى العالم

عرمان بقلم الاستاذ المحامي متروك صيموعة

طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ حازم صيموعة   
28/10/2009

 

Orman web site Ashraf Jamal 2009..قرية عرمان

  عندما تغادر مدينة صلخد متجهاً شرقاً , وبعد صعودك وهدة مرتفعة قليلاً في "أبو النوف ", وهو التل الذي يحاذيها من جهة الغرب , تبدأ بالإطلال على مشارفها وبيوتها المتناثرة غرباً على جانبي الطريق المعبدة التي تنسلّ إليها , فتنبئك بقرب الوصول .. ربما يتملكك إحساس مختلف وأنت تدنو من أطرافها الغربية .. بما تناهى إلى سمعك من المنقولات والمآثر عن ماضي أهلها , إنها عرمان  

 

نعم ..فقبل أن تحط بك الرحالُ في ربوعها , أو على مقربة من عمرانها , حيث توسعت أرجاؤها مع الزمن وانبسطت في كل الاتجاهات تقريباً بعد زحف الإسمنت على حساب هذا البازلت الرائع الذي يطل عليك أنى توجهت , يشي لك بطبيعة أرض قاسية وعرة , حيث توسعت عن مركزها العمراني القديم المرتفع قليلاً , ذي البيوت الحجرية المتراصة والمتلاصقة , ذات السقوف الحجرية المقنطرة أيضاَ , والمحمولة على جدران حجرية عريضة من البازلت المصفوف بعناية , يتوسطها قصر روماني منيف مبني بعناية أيضاً وبحجارة متراصة , يتزنر بشرفات حجرية جميلة , وبأكثر من إطار يعلو بعضها بعضاً كل عدة صفوف من المداميك المنحوتة , تكسو حجارته طبقة سميكة من الإشنيات والطحلبيات السميكة.. تشي بتعاقب سنين كثيرة . حيث يظهر أنه فقد شيئاً من ارتفاعه عبر الأزمنة المتعاقبة التي تنبئ عن توالي حضارات وأقوام عبر الغابر من الأعوام .
ومن البدهي أنك لاتستطيع التحدث عن عرمان أو أية قرية أخرى بمعزل عن المحيط العام في جبل العرب , فهو وحدة اجتماعية وأخلاقية وقيمية وموروث شعبي متصل ومتشابه , وتسليط الضوء على "عرمان" هنا , لا يعني بأي حال عزلها عن محيط
هي جزء لا يتجزأ منه ومن تاريخه وتقاليده .
فقبل أن تحط بك الرحال زائراً , لا بد أن تكون قد وصلتك بعض أخبارها .. طرقت مسامعك بالتواتر .. والأحاديث العابرة , عن ماض مفعم بحكايا الرجولة والفداء والوطنية ومعاني القيم والمثل والفروسية والتقوى أيضاً ..لا بد أن تسمع بـ "عرمان" في الأهازيج ..في قصائد الفخر .. في حداء البطولة .. والكثير مما تسمعه ينبئ عن حمية أهلها .. نجدتهم .. بطولاتهم .. شجاعتهم .. حتى ليخيل إليك أن أولئك يتوفرون على فائض من رجولة وشجاعة نادرة ..وتجد ما يعزز هذا الانطباع لديك , في العديد من المصادر المكتوبة والمنقولة .. وقد يبادر أبناؤها ليشرحوا لك "سر" هذه الخصوصية والتفرد , بطريقة لا تخلو من تعصب مبطن .. فلهم عذرهم فيه ربما , ولن تعوزهم الأمثلة , ليسوقوا لك من الحوادث والمآثر ما يعزز هذه الروح ويقوي هذا الانطباع .. يسوقون لك حادثة ما تجسدها الأهازيج وأغاني النخوة والحرب .. ( لفتْ باهل عرمان وجيت ابشرك ) هذا يعني أنه عندما يحضرأهالي عرمان تتغير موازين القوى وينعقد لهم النصر ويرفعون راياته .. وها هي البشرى بالغلبة لمن استنجد بهم .
( موردها عرمان وعجال البرك ) موئل ومبتغى وممر إجباري للرجولة والحمية ..
وإذا كان للحرب مفاتيح أو مفتاح فــ ( عرمان مفتاح الحرايب ) كما تقول الأهزوجة المتداولة .. والكثير الكثير في شعر الحرب والفخر والفروسية .
لعلاقات أهلها الكثير من الخصوصية , وربما تجد العذر لهم لتعصبهم إليها .. وللرأي العام فيها سلطان أيضاً ..حتى على القاطن الجديد أو المقيم المؤقت .. ناهيك بأهلها .. فعلى الجميع الإذعان لمنطقها و تقاليدها الراسخة وسلطان الأدبيات المتداولة بين أبنائها ..وقد تجد في أدبياتها أيضاً ما يدعى "عرماني" فلها خصوصية متوارثة معززة بالمآثر والتضحيات ومعاني الرجولة والفداء وقيم المروءة والحياء والاحترام .. ويقولون لك أيضاً إن القاطن الجديد سريعاً ما يتطبع بطابع أهلها : فيقولون : لقد ( تعرمن) تمشياً مع هذه الخصوصية .
وكان لهذا الشعار , فيما مضى , متطلبات وشروط نهض بعض أهلها في عملية تكوينه ووضع المحددات المعبرة عنه , وجعله قيمة جمعية إضافية تضاف إلى منظومات القيم العامة التي تحكم سلوكهم , حيث عمل بعض أهلها على تكوين رأي عام "عرماني" وشعار خاص للقرية يحمله كل "عرماني" ــ وفق نظام داخلي وبنود محددة لاختيار ممثلي العائلات وشروط تمثيلهم ــ كما هو وارد في بقية بنود هذا النظام , دليل الاعتزاز بتراث أهلها وماضيهم المجيد وتضحياتهم ووطنيتهم .
( وهذه الوثيقة مغفلة التاريخ , ويظن أنها تعود لعشرينيات القرن الماضي عنوانها :
ــ النظام الخاص
ــ وتحتوي على خمس عشرة مادة وملحق , فحواها : تأليف "رأي عام عرماني" ولا بأس من ذكر بندين منها :
 
 
مادة 11 : كل رجل يحاول تحصيل حقه وتعديل لازمته بواسطة الشغب والقوة نكون جميعنا ضده لأنه يخالف مبدا الخير والاتحاد .
مادة 14 ــ في حالة خلاف لايمكن منعه يجب أن نكون جميعنا ( بعد التشاور) بجانب الحق .
.. وقد يكون لهم العذر في ذلك , على الرغم من أن جبل العرب وقبل ذلك " جبل الدروز " بمعظمه يشكل وحدة اجتماعية وأخلاقية وقيمية , وتكاد تجمع كل أبنائه مناقبية تراثية موحدة إلى حد بعيد , والتفاوت يكاد لا يذكر بين أبنائه عامة في مستويات منظومة قيم الشجاعة والفروسية والكرم والنخوة .. والجبل عموماً تحكمه الكثير من التقاليد التي لم تضمحل مع الزمن بمعظمها , رغم الاحتكاك بالخارج , ودخول مفاهيم الحداثة والمدنية إلى نسيج علاقاته , وما زال أهله يتوفرون على منظومة خاصة تميزهم عن محيطهم القريب والبعيد , بعض هذه القيم له جذر عروبي مستمد من تقاليد عربية أصيلة , وبعضها الآخر له جذور دينية وعقائدية تشكل قيمة مضافة لمناقبيتهم ..ورسوخ التقاليد هذا عائد لمجموعة عوامل منها عدم الاختلاط والتزاوج لاعتبارات دينية , والحفاظ على سلسلة نسبية متصلة , تغذي وضعية الأسرة والعائلة وقيم الانتماء ومتطلباته وشروطه , وما يتصل به من مناقبية ملازمة لهذا الشكل من المراتبية , يعزز مفهوم الجماعة ويقوي أواصر التعاضد لدى أبنائها .
ومن ذلك أيضاً وضعية المرأة , الوحيدة في مؤسسة الزواج , فلا مكان لديهم لتعدد الزوجات مما يعزز روابط الأسرة ووحدتها ويعطي المرأة مكانة أعلى في سلم العلاقات الاجتماعية والأسرية فالمرأة ليست عورة أو حرمة أو وعاء للذة فقط بل هي سيدة , وتستطيع استقبال الضيوف من الرجال في غياب زوجها , والظهور أمامهم , والقيام
بواجب الضيافة بثقة وأنفة , و بحياء وعفة في آن , وبقاء الأخوة الأشقاء في كنف الأسرة , وندرة حالات الأخوة غير الأشقاء فيها تبعاً لذلك .
ولاعتبارات متعددة أيضاً كان العقل الجمعي العام في الجبل يقبل الآخر من أصحاب المعتقدات الأخرى , فالقوم ليسوا متعصبين , والتسامح قوام علاقاتهم , ولن يتاح لك التمييز بين أبناء الملل الأخرى الذين يعيشون بين ظهرانيهم في التعاملات والعلاقات, بل يصعب عليك التمييز , اللهم إلا أثناء ممارسة الشعائر فقط .
ففي الكثير من القرى تجد الجوامع والكنائس ومجالس الخلوة على مقربة من بعضها , لا بل إن الجميع شارك في بناء هذه البيوت الدينية عند إنشائها , كدليل على قبول الآخر المختلف , حتى في مستويات العقيدة , وهذه ليست سهلة في عالمنا العربي والإسلامي
إذا علمنا مثلاً أنه في طهران ــ وهي درة الحضارة الفارسية العريقة ــ ومنذ عهد إسماعيل الصفوي (1500 م) لم يسمح ببناء جامع سني واحد فيها حتى الآن, والأمثلة كثيرة أيضاً , في أماكن أخرى . فهذا التسامح الديني وقبول الآخر المختلف عقائدياً ليس هيناً , ففي الكثير من المحافل والمنتديات يشترطون عليك حتى تدلي برأيك أن تكون على مذهب معين وإلا فلا رأي لك , ولا زال الكثير من البلدان يدفع ثمناً باهظاً لعدم قبول الآخر المختلف عقائدياً رغم رابط الأخوة العام الذي يجمع بنيه .
ففي مجتمع الجبل ــ إذا صح التحديد ــ تكمن طلائع ومقدمات المجتمع المدني المنفتح المتسامح الذي يقبل الآخر حتى على صعيد المعتقدات الدينية , فبيوتهم وقلوبهم مفتوحة للضيف والشمس , والأسوار ليست عالية أيضاً , والضيف يستقبل بالترحاب من مسافة بعيدة وقبل أن يقرع الأبواب , فلا وجود للبيوت "العلب المغلقة" ولا الأبواب ذات الثقوب المخصصة لاستطلاع القادم أو الزائر في نظامهم العمراني .
وللمضافة ــ التي ليست مكاناً معداً لاستقبال الضيوف فقط ــ وضعية خاصة فهي منتدى دائم , يتم فيه صياغة علاقاتهم وفض خلافاتهم ومناقشة شؤونهم وشجونهم , وهي أيضاً "هيئة أركان" للعائلة أو للقرية , فمن قرار تعيين الحراس والنواطير .. إلى قرار الحرب وإعلان التعبئة العامة , يتم داخل المضافة .. يستعرضون فيها أدبهم الشعبي ومآثرهم وشعرهم وحكايا بطولات أهلهم , وعبرها يتم إعادة إنتاج وتكريس منظومات القيم والمناقبية الأخلاقية والموروث الشعبي , الذي يوجه سلوكهم العام .
وللمضافة تقاليد وأعراف يتعين احترامها والالتزام بها و حيث يراعى فيها أفضلية رجال الدين وكبار العائلة وأحقية الضيف ...يتكلم أحدهم فيستمع الآخرون باحترام فلا مكان للثنائيات والأحاديث الجانبية في هذا النوع من المجالس ..ولتداول الحديث أصول وأفضليات , وللمقاطعة الضرورية أصول أيضاً , وعندما يوجه أحدهم الكلام لشخص معين أو لضيف أو لكبير سن , لسبب ما , يضيف عبارة ( ولا يهونوا الحاضرين )
أو ما شابه ذلك , دليل على احترام الحاضرين وأخذهم بالاعتبار وعدم تجاهلهم .. وعند دخول شخص جديد للمجلس يسلم سلاماً عاماً غالباً ما يكون( السلام عليكم .. عوافي يا غانمين ..) وعندها سينقطع ــ بالطبع ــ الحديث المتداول لأجل القادم الجديد إذْ يبادره القوم بالسلام جميعاً بعد الوقوف احتراما له , ثم يشرب القهوة العربية الحاضرة دائماً ويتم التعريف عليه إن كان هناك من لا يعرفه , ومن ثم يُستأنف الحديث الذي كان متداولاً بالقول ( وأنت على واردك ) احتراماً للمتحدث أيضاً .. وهذا يعني أن للفرد قيمة في مجالسهم وأن له كياناً وحيزاً وعليه ان يكون حاضراً ومتحفزاً للدفاع عنه , ولا يوجد في مجتمعاتهم بشر أرقام , بل بل بشر أسماء ومواقف ..وهذا يفسر تقليداً غريباً في مضافاتهم حيث يقوم شخص بالإشهاد على نفسه حينما يدب الخدر في رجليه أوفي إحداهما بقوله ( اشهدوا يا غانمين رجلي خدرانة ) فإذا حصل أن تنادى القوم لعمل ما يستحق النهوض بسرعة ( فزعة ) مثلاً , وقصّر عن مواكبة أقرانه يكون معذوراً بالإشهاد المسبق على سبب تخلفه عنهم , وهذه قيمة تجسد النخوة والفروسية والرجولة والتفاني بالطبع .
 
 
هذا في مستويات قيم الجماعة التي يتحلى بها أبناء الجبل عموماً ولا تتفرد فيها عرمان أو غيرها طبعاً . وبغض النظر عن الانتماء لهذه العائلة أو تلك في عرمان , وحتى في ظروف الانقسام والتشاحن العائلي ويوم كانت تفض الخلافات بمنطق الغلبة لم تغب هذه القيم حتى في ظروف التخاصم , فقد ظل منطق الخصم الشريف يحكم علاقات أبنائها وكان الاحترام المتبادل سمة بين المتخاصمين , وهذه فروسية وشرف قل نظيرهما .. ورغم وجود السلاح الحربي القاتل بحوزة الفرقاء المتخاصمين , إلا أنه لم يستعمل لفض النزاعات العائلية الداخلية في القرية , ولم يمنعهم العراك الداخلي الذي كان يقتصر على العصي والحجارة , من الذود سوياً عن حمى الزراعة والرعي ومصالح القرية العمومية عندما تتعرض للتعديات الخارجية.
وقد يستفيض أهلها في شرح تميزها عن المحيط , حتى وإن اتكؤوا على مصادفات الجغرافيا والمناخ .. يقولون لك إن أرضها لا تعرف القحط وإن استبد القحط بجوارها .. فلها نصيب من السماء حتى في العجاف من السنين .ويقولون لك أن أهلها عدلوا جغرافية أراضيها وتوسعوا إلى خارج مداها الجغرافي المتصل .. إلى ما يجاوز القرى والحواضر المجاورة كردة فعل على الإقطاع وأشكال ظلم البكوات وأصحاب النفوذ .
هذه الخصوصية أعطت لأبنائها الكثير من عناصر التفوق , فالقوم المتعاضدون المتراصو الصفوف يشكلون عنصر ضغط وتميز , ليس على المستوى المادي فقط , بل في المستويات المعنوية والتعبوية , حيث تتضاعف القوة , فيشتد أزر الجماعة وتتعزز معنوياتها وتتضاعف حميتها .
قُدر لأهلها أن يكونوا طلائع إرهاصات رفض الظلم الاجتماعي والثورة على الإقطاع بشقيه : إقطاع الملكية والاستئثار بالأرض , والإقطاع السياسي أو الاجتماعي , إذا صح التعبير أيضا , الذي كان يشكل نمطاً مخففاً للعبودية والظلم الاجتماعي, فمنها انطلقت الثورة العامية بمرحلتيها في نهايات القرن التاسع عشر , وإن بتأثير من وهج عاميات أخرى في المنطقة وبذكر البعض بالتواتر أيضاً أن الشيخ قام بهدم مضافة إسماعيل الشريطي فقام الأهالي على الفور ببنائها مجدداً في اليوم التالي وبعد أن أمر الشيخ بحرق الجمل بحمولته من حصيد القمح لقيام صاحبه بنقل المحصول قبل قيام الشيخ بذلك ودون علمه , فثارت ثائرة الأهالي وقام إسماعيل العطواني وآخرون بجولة تحريضية على الـ"مقرن " لاستنهاض الفلاحين على سلطة الشيخ ونفوذه , حيث تمت صياغة أشكال جديدة للحياة الاجتماعية والحد من نفوذ الشيوخ وسلطانهم وتحديد ملكيتهم بالثُمُنْ , وعلى أرضها ( المجدل ) وبفعل أبنائها وقعت وثيقة العامية المشهورة المسماة ( وثيقة مجدل الشور) أي "الشورى" المعروفة , بعد النشاط التعبوي لأبنائها ( خاصة إسماعيل العطواني ) في شحن وتثوير عموم وجهاء المنطقة .
وكرد على كل أشكال مظالم الإقطاع ونفوذ الشيوخ , فقد توسع أبناؤها في تملك الأراضي , متجاوزين القرى المجاورة إلى ( القرعة ) عند الحدود الأردنية إلى الجنوب من قرية العانات .. و"ظهر جبل عرمان" على حدود السهوة الشرقية ,
واستطاعوا حمايتها والحفاظ عليها من كل أشكال التعديات. لكل هذه الأسباب وللدور المميز لأبنائها في رفض الاستعمار ورغبتهم في البقاء خارج النفوذ والسيطرة فقد
كان للمستعمر التركي رغبة التطلع لكسر شوكة أهلها والحد من نفوذهم عبر الدسائس والطلبات التعجيزية والكيدية المبيتة .. من تشجيع التعديات على أراضي عرمان خاصة من قبل البدو المتنقلين لاستغلال النزاع فيما بينهم لتحقيق الغايات والمآرب الخاصة بالمستعمر ولا تغيب عن الذهن المقولة الشهيرة للسلطان عبد الحميد الذي سئل يوماً عن أحوال الأمبراطورية العثمانية والنزاعات الطائفية والإثنية في الكثير من أرجائها فقال قولته الشهيرة إذا ما اقتتل الذباب , فإنني أستطيع أن أنام نوماً عميقاً) فكان ما عُرف بقضية " ميثا" ابنة حسين الأطرش شيخ القرية آنذاك ورغبة ممدوح باشا بالاقتران بها , وما حصل أثناء القدوم لاصطحابها عنوة بعد أن تبين له إعراضها عن ذلك , فيما سمي بحادثة المضافة وكان ذلك في عام 1896 . ومن ثم حملة سامي باشا الفاروقي عام 1910 , حيث يمكن رصد وتسجيل الوقائع التالية رغم غياب التدوين والاعتماد على المنقول بالتواتر :
فقد أرسل ممدوح باشا قائد جيوش الدولة العثمانية آنذاك ثلاثة وثلاثين عسكرياً إلى عرمان لأخذ السيدة ميثا حسين الأطرش التي كانت قد خرجت من عصمة زوجها محمد الأطرش في صلخد بعد وفاته ولم يكن لديها سوى بنت واحدة منه وكانت على جانب كبير من الجمال والرصانة والجرأة , حيث التجأت إلى كنف والدها تطلعاً منها للاحتماء بأهالي عرمان لعدم رغبتها بالانصياع لطلب ممدوح المذكور بأن تكون زوجة له , وكان يرافق هذا العدد من الجنود كلٌ من فواز الجاري وسري رضوان باعتتبارهم أدلاء . وتقول بعض الروايات إنه صادف أثناء مرور هذه القوة في صلخد أن التقت ببعض البدو الذين قاموا بالاعتداء على محمية جبل عرمان وتصدى لهم النواطير وأعملوا فيهم العصي والحجارة وكانوا معصوبي الرؤوس يقصدون بصرى للشكوى على أهالي عرمان ونواطيرهم ــ حيث كان الأتراك يشجعونهم على التعديات ويثيرون نعرة طائفية بين أهالي عرمان والبدو على خلفية طائفية , ويشجعون الاعتداء على المراعي والمحميات ـــ حيث كانوا يتحينون الفرصة للانتقام , فكانت مناسبة بأن تقوم هذه القوة بهدف مزدوج :
"تأديب" أهالي عرمان ومعاقبة نواطيرهم ,ولا سيما أن القوة كافية ووجودها مناسب .
ومن ثم أخذ ميثا الأطرش بعد أن تبين أن هناك مداورة وتهرب من الانصياع لمشيئة ممدوح باشا , بعد أن اتضح له أن مغادرتها إلى عرمان كان رفضاً ضمنياً لطلبه . فاختارت القوة بناء على هذا المعطى الجديد التوجه إلى بيت المختار إبراهيم الجرمقاني آنذاك , لحسم موضوع النواطير قبل التوجه إلى منزل حسين الأطرش لأخذ ابنته ميثا .
وقد وصلت القوة إلى منزل المختار يوم الخميس الثاني من تشرين الثاني عام 1896 م وطلبوا على الفور استدعاء النواطير الثلاثة وكانوا كلاً من :
( محمود أبو خير , ملحم الحلبي يوسف ياغي ) وكان ثلاثة من العسكر قد قصدوا منزل محمود أبو خير لإحضاره , حيث كان منهمكاً في إعداد وليمة لضيوفه القادمين من المقرن الشمالي من آل سلاّم , ولما جدوا في الطلب إليه الذهاب لمنزل المختار , حاول استمهالهم ريثما ينهي ضيوفه الطعام ويقوم بوداعهم إلا أنهم ــ وفق أكثر من رواية ــ عاجلوه وغدروا به بإطلاق النار عليه وقتله أمام منزله قبل أن يتوجه لبيت المختار , فهرب الجنود الثلاثة إلى مضافة المختار حيث القائد والقوة المرافقة , وتمترسوا داخل المضافة بعد أن استثاروا غضب الأهالي على فعلهم الشائن الغادر , فقتلوا حوالي ستة من أهالي عرمان من داخل المضافة غدراً وعبر بابها الذي يشهد لغاية الآن على تلك الواقعة , فكان أن بدأ الأهالي بهدم سقف المضافة على المتمترسين داخلها , ولم ينج إلا نفر أو اثنان استجارا بالنساء , وقد بقي منهم فواز الجاري والمدعو موسى , وتقول بعض المصادر النقلية أن ملحم الحلبي ــ الذي قتله موسى المذكور بعد ان رشقه ملحم بالحجارة أثناء هربه على حصانه باتجاه صلخد ــ ويوسف ياغي قتل أيضاً في ذلك اليوم .
بعد وصول الأنباء لممدوح باشا عما حدث لجنده أصر على الانتقام من عرمان وأهلها .
وبتاريخ يوم الأحد الخامس من تشرين الثاني 1896 سيّر ممدوح باشا ثلاثة ألوية إلى عرمان .
الأول بقيادة أيوب باشا
والثاني بقيادة غالب بك
والثالث بقيادة خسرف باشا
قوامها حوالي ألفي جندي ووصلوا شرق صلخد مساء بدلالة فواز الجاري الذي أرسل سراً شخصاً أرمنياً لإعلام أهالي عرمان بقدوم الحملة وسار بالحملة شمالاً نحو ما يسمى ( خراب عرمان) من أجل توفير الوقت للأهالي للا ستعداد وعدم إتاحة الفرصة لدخول الحملة إلى القرية وملاقاتها بعيداً عنها ــ والخراب هذا يقع إلى الشمال من القرية وهي أرض وعرة المسالك وطرقاتها صعبة وضيقة وجدران كرومها رومانية عالية تحجب الرؤية لمسافة كبيرة وتصلح للتمترس, فتصدى لها الأهالي قبل وصولها للبلدة ودارت معركة ضارية دامت يوماً وليلة أبلى فيها الأهالي بلاءً حسناً رغم التفوق العددي للحملة ( 2000 مقابل 400 ) وتسلحها بالمدافع والرشاشات والبنادق وتسلح الأهالي بالعصي والبلطات والقليل من البنادق وظهور الدور التعبوي للنساء اللاتي شددن من أزر الرجال , وأشهرهن ( سعده ملاعب) وكنّ ينفخن الحمية وروح التضحية في الرجال , حيث هزموا الحملة شر هزيمة بعد نجدة الجوار من القرى المجاورة وخاصة صلخد بعد وصول الـ" مفزّع" يحمل قصيدة نخوة أرسلها محمود صيموعة لأحد زعماء صلخد آنذاك قبلان الحجلي :

 
 
مرسالي جد طلابه للزغابة..... وقله علقت حرابه يا قبلان
 
 
 

إضافة لنجدة أهالي ملح وامتان وغيرهم , في الساعات الأخيرة من المعركة .
إذْ لم ينج من الحملة إلا بضع عشرات فقط , وبقيت الجثث مرمية طعاماً للكواسر
وجسد الأدب الشعبي ذلك بأن الضواري أقامت الولائم , ودعت إليها :
( ضبع الكويرسعازمه ضبع عرمان !!) على حد قول الشاعر .
( مما دعا أحد الصحفيين إلى تشبيه عرمان بـ "إسبارطة" العرب .. والمعروف أن إسبارطة هي إحدى عواصم اليونان القديمة وقد زاحمت أثينا على السيادة وهزمتها في حرب البليونيز عام / 404/ ق . م وكان لها نظام رياضي وعسكري دقيق ومميز )
وكان أن امتدت فترة من الهدوء والهدنة ــ ــ لاستيعاب دروس ونتائج هذه المذبحة التي حلت بالجيش التركي وإبادته من قبل قوة شعبية غير نظامية وغير مدربة أو مسلحة . بعد هذه المعركة , التي بقيت جثث ما لايقل عن الف وتسعماية جندي تغطي ساحتها لأشهر طويلة , فكانت قاسية على وجود ومعنويات الجيش التركي , حيث تحيٍّن الأتراك الفرصة للانتقام , فجردوا حملة أخرى ذات مهمة تأديبية بعد أقل من خمس عشرة سنة إلى عرمان أيضاً .هي حملة سامي باشا الفاروقي .
فبتاريخ الخامس والعشرين من آب عام 1910 توجهت قوة بقيادة سامي باشا الفاروقي

(وهو ضابط من أصل عربي من الموصل شمالي العراق , وتنقل بعض المصادر أنه كان يعتز بنسبه للخليفة عمر بن الخطاب , لكنه بالطبع أسوأ خلف لخير سلف !! )
 
 
إلى قرية (العانات ) إلى الجنوب من قرية ( امتان) للقبض على ذوقان الأطرش المحكوم بالإعدام والمطلوب للباب العالي مع مجموعة من الأعيان منهم أبو علي مصطفى الأطرش وسلامي الأطرش ونسيب الأطرش وسليم الأطرش شيخ قرية الغارية الملقب بـ (الغول) وغيرهم , وعند وصول خبر الحملة إلى عرمان ومعرفة وجهتها وهدفها تنادى أهالي عرمان لإحباط ما ترمي إليه , فحاصرو حملة سامي باشا المذكور قبل إحكامه الطوق على قرية العانات إلى الجنوب من قرية امتان , وبعد أن ظهر له تفوق أهالي عرمان عليه طلب طريقاً للمغادرة إلى صلخد عن طريق صما البردان ــ كما تقول بعض الروايات ــ لكنه أضمر الانتقام بعد أن تقصى عن حامل الراية ( البيرق ) محمد صيموعة واعتبره المسؤول الأول عن ذلك .

وبعد يومين فقط أي بتاريخ السابع والعشرين من آب عام 1896 عاد سامي باشا على رأس قوة باغتت الأهالي وطوقت منزل محمد صيموعة ( حامل البيرق ) وقبضت عليه وعلى سليم صيموعة حسن صيموعة وتمكن شبلي صيموعة من الإفلات من قبضتهم ( لكنه استشهد بعد يومين في معركة الكفر ) , وتم نقل الثلاثة إلى قاعة شيخ القرية نجم الأطرش بقصد الانتقام من الذين كانوا على رأس من تصدى لسامي المذكور وأحبطوا مسعاه في القبض على ذوقان الأطرش وجماعته , وبدأ باستنطاق الثلاثة عن حامل االبيرق فلم يتلق إلاّ جواباً واحداً من الثلاثة : فيجيبه كل منهم : أنا .. مما أخرج سامي المذكور عن طوره , وبدأ بتنفيذ أشكال من التعذيب لايتصورها بشر .. فأعد مواقد الحطب وأخذ يقوم ورجاله بإحماء محاميس القهوة حتى تشرف على الاحمرار ويقوم بوضعها على رؤوس المعتقلين الثلاثة وأيديهم وأرجلهم ويعيد السؤال ذاته ويتلقى ذات الجواب أيضاً ولما أجهز بالنار على ما تبقى من لحم رؤوسهم وأرجلهم وأيديهم , والرجال صامدون صابرون ولم يتزحزحوا عن موقفهم , وبعد صيحات التكبير وزغاريد النساء أمام مشهد الشواء البشري هذا , وبعد أن فشلت هذه الضروب من الهمجية في تحقيق غاية بث الرعب في نفوس السكان , قرر سامي باشا نقل الثلاثة إلى مكان خارج القرية لإعدامهم , وكان ذلك إلى الغرب من القرية في مكان يدعى " ظهر فارس " وبينما كان أحد أعمام الشهداء الثلاثة يقف على سطح المضافة , ويتطلع بتوجس وقلق ناحية الغرب , سمع دوي طلقات ثلاث من الرصاص خرقت سكون الليل ... فنزل كسيراً حزيناً وقال للمجتمعين بصوت متحشرج ياالله روحوا جيبوا الشباب ) حيث أعدموا رمياً بالرصاص في ذلك المكان , لكن ضريبة الفداء لم تكن قد دفعت بالكامل فقد تمكن سامي باشا بعد مدة وعلى أثر مواجهة شرسة في قرية الرضيمة الشرقية وبعد صمود أسطوري من سليم الأطرش الملقب بـ ( الغول) وعدد آخر من الأبطال , بعد مدة في قرية الرضيمة الشرقية ومُثل بهم وأرسلت رؤوس بعضهم إلى أنور باشا ومن ثم إلى الباب العالي حسب بعض الروايات. ــ ( وقد درج الأستاذ محمد كرد علي الذي كان يُدرٍّسْ في مناهجنا المدرسية لجيل الناشئة , بعد إصرار بعض لجان المناهج بتفضيله على الشاعر القروي شاعر الثورة والعروبة إذْ كان كرد علي ــ ومن خلال جريدته : المقتبس التي كانت تصدر في دمشق في ذلك الحين , والمتعاطفة مع سلطة العثمانيين , فكان يصف الضحايا من عسكر الأتراك بالشهداء !! ويصف الشهداء من الثوار العرب بـ المارقين والأشقياء !! إذْ هلل عندما وصل رأس الشهيد سليم الأطرش
:الملقب بـ (الغول) إلى والي دمشق بالقول

:الآن انتهى عهد الأشقياء
 
 
وهذا يذكرنا أيضاً بما فعله الأتراك مع نهضة الأمير فخر الدين المعني الثاني
( 1572 ـــ 1635م ) , باعتبارها أول إرهاص استقلالي على المستعمر العثماني, بمؤامرة كان غطاؤها فتاوى ظلاميات الأئمة , باعتبار فخر الدين على مذهب مختلف , كان الكيد له ومن ثم لأولاده الذين أخذوا غدراً لنزعتهم الاستقلالية عن ( أخوة الدين ) من المستعمرين ! . ويتبدى للباحث كم من الملابسات رافقت الكثير
..من المفاصل الحساسة في تاريخنا
ويذكر المجاهد زيد الأطرش واقعة القبض على رضا باشا الركابي عند الإغارة على آخر معاقل العثمانيين عام 1918 / قرب تل المانع ,وسوقه مخفوراً إلى دمشق .. حيث أصبح ــ بقدرة قادر ــ رئيساً للوزراء بعد ذلك .
وكذلك واقعة دخول دمشق بعد طرد آخر جندي تركي إذْ كان ثوار الجبل تحديداً في طليعة الذين دخلوها محررين واستقبلوا بزغاريد النساء وفرش لهم السجاد عند مرورهم من حي الميدان حتى ساحة المرجة وقاموا برفع العلم العربي لأول مرة
منذ أربعة قرون ..يومها أنشد معذى المغوش حداءه الشهير
:عرش المظالم انهدم.... والعــــز طب بلادنا
راحت عليكم يا عجم.... ذبح الأعادي دابنا
لكن مؤرخينا الأشاوس ــ و واضعي المناهج لطلابنا أيضاً ــ أصروا على عدم الاعتراف باعتبار دمشق محررة إلاً بعد دخول الجيش الانكليزي إليها في اليوم التالي ..! لتكون أكثر مفاصل تاريخنا حساسية تحت رحمة مؤرخين معظمهم تحت الشبهات والبعد عن النزاهة , وعدم الأمانة التاريخية , وممالأة المستعمر .
ويجدر بالذكر أنه بتاريخ / 13 / ت1 / 1915 / حضر جمال باشا ( الذي عرف لاحقاً بالسفاح ) إلى قرية عرى جنوب السويداء .. منزل سليم الأطرش ( إذْ كان الأمير يحيى قد توفي في / 2 ت2 / 1914 / وقام جمال المذكور بتوزيع العباءات المقصبة والليرات الذهبية والنياشين والأوسمة على الزعماء والوجهاء , وفي اليوم التالي واحتجاجاً على ذلك حصل اجتماع في قرية عرمان في / 14ت1 / 1915 في منزل حامل البيرق سلامي صيموعة تنديداً واحتجاجاً على استقبال جمال باشا وقبول أعطياته , حضره سلطان الأطرش وأعيان بعض القرى والبلدات المجاورة من صلخد وامتان وملح وغيرها , منهم حسين الشوفي. حيث لم تكن قد جفت بعد دماء الضحايا على يد سامي باشا وعسكره في عرمان ,وتداولوا في أمر الثأر لذوقان الأطرش بعد الغدر به وإعدامه يوم الأحد 5 / آذار 1911 بتهمة الكفر بالإسلام والخروج على الخلافة العثمانية .
و لتختتم الامبراطورية العثمانية آخر أيامها في سورية , بعد سنة واحدة فقط على يد جمال باشا نفسه بأبشع أشكال الانتقام والهمجية بحق الأحرار في دمشق وبيروت في ذلك اليوم الدامي من شهر أيار , بإعدام ثلة من الأحرار, الذين علقوا صباح ذلك اليوم المشهود وفي السادس منه عام 1916 /. ولقد قيل الكثير شعراً ونثراً في الإشادة بدور عرمان وأبنائها في مختلف الحقول والأنشطة الاجتماعية والوطنية .
وهاهو الشاعر أحمد العليان يشيد بعرمان بعد الدور المميز لأبنائها في الثورة العامية
:بقصيدة منشورة في كتاب الأستاذ هيثم العودات حول العامية بالقول
 
 
عرمان فيها دولة "البطرخانة"..... ومن لاذ بيها من المداريك تحميه

 

 
" البطرخانة" ( أي البطريركية حيث كان ممثل عرمان في الخارج مسيحياً .)

 
 
وكذلك الشاعر القروي مخاطباً أحد أبناء عرمان المغتربين في "بوينس ايرس"
في حفل خصص ريعه للثوار الذين ارتحلوا وعائلاتهم إلى وادي السرحان في الجزيرة العربية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي متوجهاً إلى سلمان
:البكفاني الملقب بــ " الجندي المتطوع" صاحب اليد الطولى في التبرعات
 
 
 
لمن المآدب حــولها الأضياف.... وعلام هذا البذخ والإسرافُ
"سلمانُ" قم وافتح جرابك للندى.... فعلى يديك يُقدّمً الإسعافُ
وها هو الأستاذ "عز الدين التنوخي" الذي عمل مديراً للمعارف في السويداء في بداية
الأربعينيات من القرن العشرين ومن ثم مديراً للمعارف في دمشق ورئيساً للمجمع العلمي العربي وأستاذاً جامعياً أيضاً , إذْ عايش أهل السويداء وخبرهم عن قرب
برجولتهم وشجاعتهم وحميتهم ووطنيتهم أيضاً ,فأثناء قيام المستعمر الفرنسي
بالاعتداء على دمشق وقصفها وقصف البرلمان عام 1945 , دخل الأستاذ التنوخي
إلى جامع بني أمية ووجد العديد من أعيان دمشق فيه , فقام إلى المنبر وارتجل خطبة وقصيدة ذكر فيها عرمان ونقتطف منها هذه الأبيات :

 
 
يا معشر الإفرنج قوموا ترحّلوا.... قومي " الدروزُ" تكفلوا الترحيلا
سيجيئكم "سلطانُ" يفني جمعكم.... ويريكـــمُ يـــومَ الحساب ثقيلا
وتجيئكم " عرمانُ " تتركُ فيكمُ .....تلك المغــاني الآهلاتٍ طلولا

 
 
أما في حقبة الاستعمار الفرنسي فكان لعرمان الدور الكبير والمميز في معاركها وبطولاتها فمنها وفي ميدانها تحديداً أصبحت الثورة السورية الكبرى أمراً واقعاً , وانطلق الثوار منها أيضاً لحرق مقر البعثة الفرنسية في صلخد إيذاناً بإعلانها , ومنها أسقطت أول طائرة فرنسية في الثورة ( ببندقية مهنا الزغير ) , وبعد ذلك بقليل كانت إبادة حملة "نورمان" في معركة الكفر وبشكل صاعق وسريع أذهل الفرنسيين والمراقبين , ودشن أهل الجبل وفي طليعتهم أهالي عرمان مذهباً في القتال والبسالة والهجوم الصاعق لم يكن معروفاً في تاريخ الحروب في ظل عدم التكافؤ في السلاح والعدد بين المنتصر قليل العدة والعدد , والمهزوم كثيرها , رغم تمترس المدافعين وزيادة عددهم عن المهاجمين وتفوق سلاح المدافعين بما لايقاس , ورغم كل ذلك ينعقد النصر المؤزر للمهاجمين بإبادة المتحصنين عن بكرة أبيهم بهجوم صاعق وباسل وبدقائق معدودات .
هذا الصنف من " الأعداء" لم يكن يتخيله جنرالات الجيش الفرنسي الذي خرج منتصراً في الحرب العالمية الأولى كأكفأ جيش بري بعد الحرب , فلم تكن خططه الحربية وفلسفته القتالية تتخيل هذا الشكل من الأعداء, أوهذا النوع من المحاربين , ولم تكن معايير موازين القوى واعتبارات التفوق , تعرف مثل هذه المزايا التي يمكن أن يتمتع بها الخصم , أو أن يكون هناك أعداء يستطيعون بالميزات الشخصية والجمعية الفريدة أن يلغوا كل عناصر التفوق بالسلاح والتدريب والتنظيم والانضباط العسكري و القتالي ..! فلم يكن بالحسبان توقع أعداء يستطيعون إلغاء كل اعتبارات موازين القوى ومعاييرها السائدة , ببسالة خارقة في القتال . هذا النوع من الرجال كا ن استثنائياً بكل ما لهذه الكلمة من معنى , كما سيثبت ذلك التاريخ اللاحق والقريب في معارك الثورة السورية الكبرى التالية المظفرة أيضاً رغم صفتها الانتقامية والإعداد الجيد لها , وقدكان لبيرق عرمان ولرجالاتها الدور المميز في معظم معارك الثورة تقريباً والبالغة أربعاً وأربعين معركة .
وكان لأهلها أيضاً نصيب , ككل أبناء هذا الجبل المكافح , في سلوك طريق المنافي وسكنى الصحراء ومكابدة الجوع والعطش وشظف العيش , وكل ما قيل لايعبر عن حجم تلك المعاناة التي دامت حوالي اثني عشر عاماً , كابدها النساء والأطفال , إضافة للرجال , من الأزرق في شرقي الأردن إلى وادي السرحان في
:الجزيرةالعربية , وقد صور هذه المعاناة شعراء كثر أشهرهم الأمير عادل ارسلان
 
  
طال انتظاري للنهار الصبيح.... ماذا على الأجساد لو تستريحْ
كـــل رغيف حولـه تسعة..... كأنمـا صلّى عليه المسيحْ

 
 
:والشاعر القروي في قصيدة رائعة منها
أيهـــا المُبعد المزوّد عزٍّاً.... أيـــن للمترفين فضلــة زادكْ
كل ما في اقلامنا مـــن مضاء.... مستمدٌ من مـرهفات حـدادكْ
كل سبق في شعرنا وانتصار.....ِ هو من ملهمات خيل طرادكْ
كل ما في صدورنا من لهيب..... هو إضرام وربة مـــن زنادكْ
كل ما في هتافنا مـــــن دوي..... هو ترجيع نبضة مـــن فؤادكْ
كل ما في آثارنا مـــن خلود ..... هو تاريخ ساعة مــن جهادكْ
كل أمجادنا بناتك يا مــن..... قد أضفت المنفى إلى أمجادكْ
أيهــا المنجدُ المحاويج عارٌ..... أن تُصم الأسماع عن إنجادكْ
لو فرشنا لك الجفون مهـاداً..... وجعلنا الأهداب حشو وسادكْ
ما جزيناك ساعة من ليال..... بتٍّ عنا على حراب سهادكْ
كل حرِ فداك يا فادي الشام..... وأولاده فـــدى أولادكْ

 
 
وبعد عودة المبعدين عن الوطن وتوقف الأعمال الحربية والوعد بالاستقلال , مارس
المستعمر سياسة الإذلال عبر السخرة لتسوية الطرقات وقنوات الماء والقضاء على الجراد مثلاً وغير ذلك من الأعمال , وكان ممثل فرنسا في عرمان المدعو ( م . م ) رجلاً صلفاً وقاسياً ومتسلطاً أساء للعديد من رجال الدين وكبار السن وقد تصدى له
( أمين صيموعة) بعد أن وجه كلاماً نابياً لوالده , فأعمل به ضرباً بعد أن أسقطه أرضاً وقام بسحبه من رجليه حتى الساحة العامة وأشبعه دوساً بالأرجل وعلى الملأ , حيث تدخل العديد من رجالات المنطقة منهم أسعد العيد لدى ممثل فرنسا في صلخد للعفو
عنه . وكان لعرمان دور مميز بعد الاستقلال وفي العهد الوطني , وكان أبناؤها في طليعة المنادين بالقومية والوحدة , والملبين الأوائل للدعوة للأمة الواحدة , وكانوا كما قال أحد رؤساء الدولة السابقين "قلعة البعث" هذا في بداية ما يسمى "مرحلة الصعود القومي" .. كل ذلك كان بالطبع , قبل أن يفتك الأخوة والرفاق بعضهم ببعض , وقبل أن تأكل الثورة أبناءها كما يقال .. حيث تغير الكثير على ساحات العمل العام وحصل ما حصل بين ورثة الاستقلال الذين استبدت بهم الانقسامات , وفتكت بمسيرتهم الأيديولوجيات المتعارضة , وتعمقت الانشقاقات وفي نسيج مجتمعهم عموماً , وتغيرت صورته واضمحلت عرى التماسك بين بنيه , وقد رصد الشاعر عيسى
:عصفور هذا التغير بالقول
لهف نفسي على مناقب قومي..... كيف بُدلن بالخنا والفجورٍ
:أو كما قال العميد نايف العطواني
اسقالله على ايام الطفولة والحفا..... كنا نحافظ عالصداقة والـوفا
وكنا نعاشر بعضنا بود وصفا..... وما كان فينا ناس تطعن بالقفا
زلة بسيطة اليوم تاخذ عالهفا..... وما عاد تعرف مين عدو ومين صديق
ويوم حاول البعض أن يغمط حق عرمان ويعتم على دورها , أرسل
نايف العطواني قصيدة إلى زيد الأطرش مداعباً ومذكراً نقتطف منها:
يا زيد كنـا بأول الخيل نتلاك..... يوم الحرايب خافقات بنوده
يـوم جزيتم مجدل الشور شفناك..... تنخي الربوع وراية البعض سوده
عرمان ثارت يوم سمعت بطرياك..... علقت نخــــــــــاويها وقبت رعوده
وإن طار قصك والتزاويق والداك..... خرفيش ما ينطيــك باللعب فـــــوده
ومع الإقرار أن ما أوردته ليس إلا غيضاً من فيض من تاريخ حافل , ومع الاعتذار إن كان
:هناك من إغفال أو تقصير , ليس مبعثه إلا السهو وندرة المعلومات بقي أن أقول
رغم الاعتزاز بالانتماء للوطن الكبير وللعروبة الجامعة بمعانيها السامية , شرف للمرء أن يكون من أبناء هذه القرية " عرمان " ويحمل اسمها ويعيش على ترابها وبين أهلها أو يحل ضيفاً عليهم , أو حتى يموت بينهم ..! وإن لم يبح له أحد أبنائها بشيِ عن ماضيها , فسيجد عند كل منعطف أمثولة . وفي كل ركن مأثرة . وسيتزود ببوح المكان الذي ينطق بالكبرياء والبطولة والنخوة والوطنية , لأنه كما قيل : إن من لا يحب بيته , لا يمكن له أن يحب وطنه وأمته .

 
 
عرمان .. ليل 26 / 9 / 2009
 
المحامي
متروك صيموعة

رابط الموضوع الاصلي من هنا http://ormanland.net/forum/showthread.php?t=4688 

أضف الى المفضلة (0) | أضف الى موقعك | المشاهدة: 4418

  التعليقات (3)
الإشتراك في RSS للتعليقات
 1 عرمان
أضيف بواسطة أمجد الدبيسي, في 30-09-2010 09:09
أحسست نفسي أقرأ لك احدى مرافعاتك في محكمة وانت تدافع عن عرمان شكرا لك استاذ متروك لان عرمان غنية عن التعريف اتحفني أسلوبك و سررت كثيرا من معلومات كانت في مؤخرة الذاكرة شكرا لك مرة اأخرى
 2  هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
أضيف بواسطة عرمان, في 30-09-2010 09:02
تعرفوا على عرمان
 3 فنزويلا كارورا
أضيف بواسطة نورالدين خويص, في 23-08-2010 09:53
الشكر جزيل الشكر على هذا الثراء وعلى ما تقدم من معلومات قيمه مع كل المحبه والتقدير

أضف تعليق
  • من فضلك اضف تعليق يتناسب مع الخبر.
  • أي اهانات أو شتم سيتم حذفها.
  • لا تنس اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
الإسم:
البريد الإليكتروني
الصفحة الرئيسية
العنوان:
BBCode:Web AddressEmail AddressBold TextItalic TextUnderlined TextQuoteCodeOpen ListList ItemClose List
التعليق:



الإشتراك في التعليقات حول هذا الخبر على البريد الإليكتروني

 
< السابق   التالى >

فيس بوك


الدخول للموقع

اسم المستخدم

كلمة المرور



هل نسيت كلمة المرور؟
لا يوجد لديك حساب ? انشئ حساب الأن

راديـو قرية عرمان


صوت جبل العرب عرمان
سرعة الاتصال عالية
استمع استمع استمع استمع
سرعة الاتصال بطيئة
استمع استمع استمع استمع 
site seal
[+]
  • Narrow screen resolution
  • Wide screen resolution
  • Increase font size
  • Decrease font size
  • Default font size
  • fresh color
  • warm color