![]() |
أجـمـل الـحـكـم
توجهت إلى حكيم لأسأله عن شىء يحيرني فسمعته ً يقول : "عن ماذا تريد أن تسأل؟" قلت :"ما هو أكثر شيء مدهش في البشر؟"فأجابني :"البشر! يملّون من الطفولة ، يسارعون ليكبروا ، ثم يتوقون ليعودوا أطفالاً ثانيةً" " يضيّعون صحتهم ليجمعوا المال ،ثم يصرفون المال ليستعيدوا الصحة" " يفكرون بالمستقبل بقلق ، وينسَون الحاضر، فلا يعيشون الحاضر ولا المستقبل" " يعيشون كما لو أنهم لن يموتوا أبداً ، و يموتون كما لو أنهم لم يعيشوا أبداً" مرّت لحظات صمت .... ثم سألت :"ما هي دروس الحياة التي على البشر أن يتعلّموها؟" فأجابني: "ليتعلّموا أنهم لا يستطيعون جَعل أحدٍٍ يحبهم،كل ما يستطيعون فعله هو جَعل أنفسهم محبوبين" "ليتعلموا ألاّ يقارنوا أنفسهم مع الآخرين " "ليتعلموا التسامح ويجرّبوا الـــعفو " " ليتعلموا أنهم قد يسبّبون جروحاً عميقةً لمن يحبون في بضع دقائق فقط، لكن قد يحتاجون لمداواتهم سنوات ٍطويلة " " ليتعلموا أن الإنسان الأغنى ليس من يملك الأكثر، بل هو من يحتاج الأقل" " ليتعلموا أن هناك أشخاص يحبونهم جداً ولكنهم لم يتعلموا كيف يظهروا أو يعبروا عن شعورهم" " ليتعلموا أن شخصين يمكن أن ينظرا إلى نفس الشيء و يَرَيَانِه بشكلٍ مختلف" "ليتعلموا أنه لا يكفي أن يسامح أحدهم الآخر، لكن عليهم أن يسامحوا أنفسهم أيضاً" |
حكم في غاااية الروعة
مشكور اخي اسير على نقلهااا تقبل تحياااتي........ |
أجـمـل الـحـكـم
الحكمة الخالدة[1] تمهيد في منتصف ستينيات القرن الماضي، صدر في القاهرة كتابٌ جيد للباحث عبد الله النجار بعنوان مذهب الدروز والتوحيد[2]، حاول المؤلِّف أن يبسط فيه مذهب التوحيد الدرزي، تاريخيًّا وعقائديًّا، مورِدًا فيه، للمرة الأولى، مقبوساتٍ عديدة من رسائل الحكمة التوحيدية التي لم يكن الاطلاع عليها مباحًا لغير الدروز "المستلمين دينهم". لذا تذرع "شيخ عقل" الطائفة الدرزية آنذاك بالاعتراض على "بعض" ما جاء في كتاب النجار ممَّا عدَّه مخالفًا للمذهب ليطالب بسحب الكتاب من التداول، الأمر الذي حدا بسلطات الأمن اللبناني إلى منع الكتاب ومصادرته في تموز 1965. لكن الكتاب كان قد لقي، قبل مصادرته، استقبالاً حارًّا في الصحافة والأوساط العلمية، الأمر الذي دفع د. سامي مكارم، بالاتفاق مع المرجعية الدرزية، إلى نشر دراسة بعنوان أضواء على مسلك التوحيد[3]، قدَّم لها كمال جنبلاط بمقدمة ضافية، بغرض تصويب بعض "الأخطاء والمزالق" التي وقع فيها النجار، درءًا لتطور الملابسات التي أثيرت حول الكتاب. وبصرف النظر عن صواب نقد د. مكارم في تصحيح بعض النقاط وتوضيح بعض المواقف الواردة في الكتاب أو عدمه (فهذا ليس من شأننا)، فإن "محاولة" المرحوم كمال جنبلاط في "تفهُّم مصادر وأصول الحكمة والعرفان" على جانب لا يستهان به من الأهمية، وتصلح – إذا استُلَّتْ من مناسبة تأليفها وظروفه، وصُرِفَ الاهتمامُ عن بقيةٍ من "حصرية" درزية متسلِّلة إليها – مقدمةً للتعرف إلى النظرة الثيوصوفية (وجنبلاط كان ثيوصوفي الهوى[4]، كما تناهى إلينا) التأليفية إلى الحكمة القديمة وإلى وحدة الجوهر الروحي المبطِّن للتراث الديني للإنسانية كافة. [IMG]file:///C:/Users/ASUS/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.jpg[/IMG] كمال جنبلاط (1917-1977) بعد صدور كتاب د. مكارم، أرسل كمال جنبلاط نسخةً منه إلى الأديب الحكيم ميخائيل نعيمه، فأجابه هذا برسالة (مؤرخة في 24 نيسان 1966) بيَّن فيها رأيَه في المقدمة. وقد ارتأينا إيراد ما جاء في هذه الرسالة نظرًا لأنه يلقي أضواء ذكية، صائبة، على بعض المسائل الواردة فيها، ولاسيما مسألة "الأهلية" للاطلاع على أسرار باطن الدين و"أوان" إذاعة تلك الأسرار. يقول نعيمه: قرأت كتاب الدكتور سامي مكارم أضواء على مسلك التوحيد الذي تكرَّمتَ عليَّ بنسخة منه، فكانت المقدمة الممتازة التي وضعتَها له أهمَّ ما استوقفني فيه. إذ إنها جاءت عرضًا وافيًا ومركَّزًا للنظرة الباطنية إلى الكون والإنسان، منذ أيام هرمس المصري وحتى أيام آتمانندا الهندي، مرورًا بطائفة من أبرز المتصوفين، المسلمين وغير المسلمين. وجليٌّ أن هذه المقدمة لم تكن غير الخلاصة لدراسات طويلة وعميقة قمتَ بها في حقل من حقول النشاط الإنساني لعله أخصبها؛ ثم لعله أقربها إلى قلبك وروحك، مثلما هو أقربها إلى قلبي وروحي. لست أجهل الظروف التي دَعَتْ لتأليف الكتاب ووضع مقدمة له من قِبَلك. فهذه لم يخلقها غير صديقنا الأستاذ عبد الله النجار بكتابه مذهب الدروز والتوحيد، الذي تجرأ أن ينشر فيه على الملأ ما كان يُظَنُّ أنه مكتوم من العقائد الدرزية إلاَّ عن الذين اكتسبوا حقَّ الاطلاع عليه – وهم المعروفون بين تبَّاع العقيدة بـ"الأجاويد". ويبدو أن كتاب النجار قد أثار سؤالين كبيرين في أذهان إخواننا الأجاويد: أولاً – هل يجوز أن تُنشَر العقيدةُ على الملأ؟ – والذي انكشفتْ له قبل ألف عام قد حدَّد فسحةً من الزمان لنشرها، ثم أقفل بعدها الباب، وحرَّم على الذين اعتنقوها، ضمن الفسحة المحدَّدة، أن يبوحوا بها إلاَّ للمستحقين منهم ومن ذرِّيتهم، إلى أن يكون "كشف" جديد. ثانيًا – إلى أيِّ حدٍّ أصاب عبد الله النجار في عرض العقيدة وما يتفرع عنها، وإلى أيِّ حدٍّ أخطأ؟ أما أنت فقد انبريت إلى الإجابة على السؤال الأول – وهو الذي يهمني – وانبرى المؤلِّف للردِّ على السؤال الثاني – وهو الذي لا أملك المؤهِّلاتِ للخوض فيه، وإنْ كان يشوقني أن أرى الوجهَ الصحيحَ للعقيدة كما يراه أهلُها. لقد شددتَ كثيرًا على قدسية الحقيقة الروحية كما انكشفتْ لنفر من المستنيرين عبر العصور. وشدَّدتَ أكثر من ذلك على حرمة تلك الحقيقة وضرورة كتمها عن الذين لم يبلغوا بعدُ ذلك المستوى من التفتح الروحي والنضج الخُلُقي الذي يؤهِّلهم لاقتبالها وصيانتها من الفساد – وهؤلاء هم الكثرة الساحقة في الأرض. واستشهدتَ في تبرير هذا التكتُّم هرمس وأسراره، وأسرار دِلْفي، وما جاء على ألسنة عدد من المفكِّرين الباطنيين، شرقًا وغربًا، وبعض الجمعيات السرِّية التي لا تزال على قيد الحياة. وكان بإمكانكَ أن تستشهد السيد المسيح كذلك، حيث قال: "لا تطرحوا دُرَرَكم قدَّام الخنازير لئلا تدوسها بأقدامها ثم تعود فتمزقكم." [إنجيل متى 7: 6] فما أكثر ما تناول غير المؤهَّلين أسرارًا سماوية فاستخدموها لأغراض شخصية، أرضية، فكان ذلك وبالاً عليهم، وقط لم يكن وبالاً على الأسرار ذاتها. إننا قد نُسيء استخدام الحقيقة، ولكننا لا نستطيع تشويهها. ولنا اليوم في أسرار الذرة خير المثال على ذلك: فقد يهدم الإنسان بالذرة حضاراتٍ متعاقبةً شادها بكدِّ النفس والجسد، ولكنه لن يهدم الطاقة الكامنة في الذرة؛ ولو كان له الفهم الكافي لبنى له بالذرة عبَّارةً من الأرض إلى السماء – من عالم المحسوسات إلى عالمٍ وراء المحسوسات. فهل نقول إن سرَّ الذرة قد انكشف للإنسان قبل الأوان؟ أم نقول إن الذي كَشَفَه قد أخطأ في الحساب؟ ومَن الذي كَشَفَه: أهو الإنسان؟ أم هو النظام الذي يسيِّر الإنسانَ والأكوانَ والذي يحدِّد لكلِّ حَدَثٍ أوانَه؟ وها هو ذلك النظام يذيع ذاته باستمرار، في المحسوسات وغير المحسوسات، دون أقل تمييز بين عاقل وجاهل، وبين مستحقٍّ وغير مستحق. فهل نكون نحن أشد غيرةً عليه منه؟ وفيمَ خوفنا على الحقيقة مادام كل إنسان يتقبل منها على قَدْر حاجته وطاقته؟ وهل كان يومٌ تساوتْ فيه تمامًا حاجاتُ الناس وطاقاتُهم؟ ومن ثَمَّ فمتى كانت الحقيقة قابلةً "للاحتكار" من قِبَل هذه الجماعة أو تلك من الناس؟ أليس أنها كالشمس، تشرق على الأبرار والأشرار بالسواء؟ فشأن البارِّ أن يهتدي بنورها إلى البِرِّ، وشأن الشرير أن يستخدم نورَها للشر – فيلقى الأولُ ثوابَه، ويلقى الثاني عقابَه. إذا كان لنا أن نحتكر نورَ الشمس، أو أن نبيحه للبعض ونحجبه عن البعض، كان لنا أن نحتكر الحقيقة، فنحصر نورَها في طائفة من الناس دون كلِّ الناس. فلا مبرِّر، في نظري، للضجة التي أثارها كتابُ عبد الله النجار، ولا لتحريمه على الموحِّدين وغير الموحِّدين. على الزارع الصالح أن يلقي بذارًا صالحًا، وليس عليه أن يعرف أين تقع كل حبَّة من بذاره: على الطريق، أم على الصخر، أم في حقل كثرت فيه بذورُ الشوك، أم في تربة كلُّ ما فيها مُهيَّأ لاقتبال تلك الحبَّة[5]؟ وليس مَن يدري – كما تقول العامَّة – "خوف الله بقلب مين". ليس مَن يميِّز المستحق من غير المستحق، ومَن يحدِّد أوان التفتح لهذا الإنسان أو ذاك، إلاَّ الذي عنده علم ما كان وسيكون ضمن الزمان والمكان. ومن ثَمَّ فالحقيقة ذاتها تفرض على الذين اهتدوا إليها أن يهدوا غيرَهم إليها، وتأبى أن تكون مِلكًا لأيِّ إنسان أو لأية جماعة من الناس: "مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا" [إنجيل متى 10: 9]. أرجو أن لا تبدو لكَ هذه الملاحظات السريعة كما لو كانت تقلِّل من قيمة مقدِّمتك في نظري. فحسب الكلمة قيمةً أن تدفع الفكرَ إلى أجواء أبعد وأرحب بكثير من التي نعيش فيها بأجسادنا.[6] يبقى أن نشير إلى أن ترجمة كمال جنبلاط في "محاولته" لمقتطفات من نصوص الحكيم الهندي الأدفَيتي الكبير شري آتمانندا (التي ظهرت بالعربية للمرة الأولى آنذاك والتي قمنا بتنقيحها هاهنا) يضفي على مقالته قيمةً إضافية[7]. المحرِّر * * * الحكمة الخالدة 1 محاولة في تفهُّم مصادر وأصول الحكمة والعرفان واعلمي يا نفس أنَّ الإنسان لم يُخلَق لمعنًى من المعاني إلاَّ للعلم والعمل به. – هرمس شروط الكشف: هذه المقدِّمة التي طُلِبتْ منَّا لهذا الكتاب القيِّم، الذي أشبعه المؤلِّف الصديق الدكتور سامي مكارم درسًا وتقصِّيًا، واستوضح مرتكزاته الرئيسية من مناقشة رجال الدين الفاقهين ومن مشاركتهم في البحث والاستدلال، ما كانت لتتيسر لنا كتابتُها لولا تقديرنا لقيمة ما أورده هذا الكتاب من أبحاث تسهم في التعريف بما يمكن التعريف به من المبادئ العامة لـ"مسلك الحكمة والتوحيد" – وهو الاسم الحقيقي للدرزية – والاحتراز ما أمكن فيما يجب أن يبقى سرًّا مكتنزًا لا تتداوله أيدي عامة الناس ممَّن لا تتفتح أفهامُهم وأذواقُهم لمعناه، ولا تتوفر فيهم شروطُ الأهلية الروحية والاستحقاق الخُلُقي، ولا يرغبون، في جدِّية وإخلاص، بالانخراط في مسلك هذا العرفان: و"لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا ما اكْتَسَبَتْ" [البقرة 286]. وهل تدرَك صورةُ المعاني في مرآة النفس إلا على قدر ما تكون لها بواطنُ العقول محددة ومستعلية، ومشاعرها مرهفة، وصفائح القلوب متطهِّرة، صافية، نيِّرة؟ مناسبة التأليف: وكان ما لقيه كتاب مذهب الدروز والتوحيد، لمؤلِّفه الكريم الأستاذ عبد الله النجار، من جدل وملابسات، دافعًا لتوضيح بعض هذه المبادئ العامة والمواجهات المشرفة الرئيسية. وكان تعاون الدكتور سامي مكارم مع بعض رجال الدين والعلم الموحدين هو طابع الجِدَّة والجدِّية في مثل هذا المسعى والتأليف، ومثالاً يحتذي به مَن يريد الكتابة في مثل هذه الأمور الدقيقة، إذا كان يحرص أن يراعي ويقدِّر، في آنٍ واحد، حرية الرأي وحرية المعتقد وحرية معتنقيه وحرمتهم، ويهدف إلى التعرف الأصيل الداخلي، بنظرة أبناء التوحيد أنفسهم، إلى معتقدهم وتوحيدهم. والمسالك الروحانية، كالعقائد في الأديان والمذاهب، هي وجهة نظر شخصية، فردية داخلية subjective، أكثر منها وضعية في المعنى الغرضي للكلمة. وللراغب في التأليف فائدة ومصلحة في أن ينظر إلى المعتقد ويعتبر المسلك من منطلق وجهة نظر معتنقيه. والأصوب طبعًا أن يكون هو ذاته مؤمنًا موحِّدًا لكي يصحَّ له هذا التزاوج والتناغم، في الفهم والإدراك، بين العقل والقلب، بين العاطفة وخيال التصور، بين حدس الذهن وتوق الإرادة. وفوق ذلك، فإنه يكون لمثل هذه المشاركة في التأليف والمبادلة المثمرة في الرأي بين المؤمن الموحِّد والمؤرخ، المؤلِّف والمتعبِّد، وتداخُل هذه المواجهات وتجاوُب بعضها بعضًا، في سعي التقصِّي والتدقيق واستجلاء الغامض، ما يلقي ضوءًا سليمًا واقعيًّا، أي حقيقيًّا، على مفاهيم المعتقد. ثم إن هذه المشاركة في التفكير والاستشعار والتصور والتأليف، بما ينجم عنها من حال ذوقيٍّ رفيع، تمكِّن من التوفيق المحمود بين حرية الرأي والنشر، من جهة، وحرية المعتقد وحرمته وحقِّ معتنقيه، من جهة أخرى. ومن البدهي، كما سبق وأشرنا، أن لحرية الرأي حرمة، كما أن لحرية المعتقد وحقِّ معتنقيه أيضًا حرمة، ومن الضروري ألا تُناقِض إحداهما الأخرى. ومن المنتظَر والمعقول أن تبرز مثل هذه المحاولات على يد بعض الأمناء الروحانيين لنشر ما يمكن نشره، وما يأذن به الموحِّدون العقَّال، وما يفرضه تطور أحوال الزمان، لكي يتوفر لكلِّ راغب في الاستطلاع الروحي وفي التعبد والتجرد والإدراك المعنوي أو التعمق في المعرفة والمكاشفة أن ينجذب إلى ما يبين له وما يتكشف من طُرُق واستنارات، يتعرف من خلالها إلى البدايات، ويستهدي بإشاراتها وعلامات دلالاتها إلى "الصراط المستقيم" الخفي. فريضة الوعظ وحدودها: ونعتقد، مخلصين في ذلك، أن في هذا التوجُّه والسعي واجبًا يترتب على المشايخ والمسؤولين الروحيين ونفر من المثقفين الذين تتوفر فيهم الأمانة الروحية ويستطيعون الولوج في مثل هذه الأبحاث المفيدة الشيقة الدقيقة، وأن عليهم أن يعكفوا على هذه المشاركة في التأليف والعمل وأن يوحِّدوا جهودهم في التبيان والاستطلاع إذا أردنا أن نتجنب أو نتفادى قيام عزلة فكرية وفاصل معنوي بين هؤلاء المسؤولين الروحيين وبين رعيل من المثقفين بالعلم العصري المادي، وإذا شئنا فعلاً أن نقوم بما نلتزم به، دينًا ودنيا، من فروض الوعظ والإرشاد والتنوير التي يحتِّمها واجبُ الضمير ومتطلباتُ المعتقد ذاته. وكيف يتسنى لمن لا يعرف شيئًا عن مبادئ دينه العامة أن يسترشد به، وأن ينطبع بقالبه، وأن يتشخَّص في صورته، وأن ينتسب روحيًّا – وحتى اجتماعيًّا – إليه، دون أن يتجاوز أحدٌ، في كلِّ حال، حدَّ ما لا يحق كشفُه إلا للمتعبدين الصدِّيقين والصالحين المحترزين، أي للمريدين: "وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات 56]، أي على حدِّ تعبير أحد كبار الصوفيين: "إلاَّ ليعرفونِ". على أن هذه المعرفة، كما سبق وأشرنا، نوعان: معرفة عقلية أو عبادة صورية، وذوق عرفاني؛ أو كما كان يقول الشبلي: "المحب إذا لم يتكلم هلك، والعارف إذا تكلم هلك." أو قوله، رضي الله عنه: "مَن طَلَبَه به تعالى صحَّ توحيدُه، ومَن طَلَبَه بنفسه لم يصح له توحيد"، على أنه وقف في مقام الدين. أما الطلبة الأولى فهي منه إليه، لا تستنفر إليها سوى الخاصَّة المختارة والصفوة المتقربة، كما روى ابن حضرويه – رضي الله عنه – عن أبي يزيد البسطامي: "ما كلَّمتُ أحدًا من الناس إلا دعوته إلى الله ثم كلَّمتُه، إلا أبا يزيد: فإنِّي متى أردت أن أكلِّمه دعوتُه من الله ثم كلَّمتُه." أو كما وَرَدَ في توحيد الأوپنشاد الهندية: كلاَّ إن هذا الآتمَن [أي الذات الجوهرية] لا يُكتنَه بالعقيدة، ولا بتقديم الأضاحي، ولا بتعاليم كثيرة. لا يكتنهه إلا الذي هو اختاره: فالآتمَن هو الذي يكشف له طبيعتَه الخاصَّة [فقرة 3 من III – 2] بنعمة المعرفة [فقرة 8 من III – 1، أوپنشاد مُنداكا]. أو كما جرى على لسان الصوفيين وفي عرفهم[8]: من سارَرُوهُ فأبْدى كلَّما سترُوا ولم يُراعِ اتِّصالاً كانَ غشَّاشَـا مَن لم يَصُنْ سـرَّ مولاهُ وسيِّده لم يأمنوهُ على الأسرار ما عاشَا وعاقَبوهُ على ما كـانَ من زَلَلٍ وأبدَلوهُ مكـانَ الأُنْسِ إيحاشَـا ولابن عربي في المعنى ذاته: فافهم فَدَيتكَ سِرَّ اللهِ فيك ولا تُظهِرْه فَهوَ عَنِ الأغيار مكنونُ وغِرْ عليه وصُنْهُ ما حَيِيتَ بهِ فالسِّـرُّ مَيْتٌ بقَلبِ الحُرِّ مدفونُ أو كما عبَّر عن ذلك الحسين بن منصور الحلاج – قدَّس الله سرَّه – في صلاته الشهيرة قبيل استشهاده: وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصُّبًا لدينك وتقرُّبًا إليك – فاغفر لهم. فإنك لو كشفتَ لهم ما كشفتَ لي لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترتَ عني ما سترتَ عنهم لما ابتليتُ بما ابتليت. فلك الحمد فيما تفعل، ولك الحمد فيما تريد. السريَّة في المسلك: وهذه السرية كانت نهج حكماء الهند ومصر القديمة والصين وإيران واليونان وسواهم من الأقوام، ولا تزال ميزة مَن لا يزالون تعمُر حياتُهم وأرواحُهم بمسلك الحكمة القديم المتصل المتجدد أبد الدهر. والسبب الجوهري لمثل هذه السرية ليس هو "التقية" بمعنى الخشية، بل الصفة الملازمة لهذا العرفان ذاته الذي هو محض اختبار، ولا يتحقق إلا في سرِّ البصيرة العقلية والخاطر. ولا يرتقي إلى مثل هذا المقام علمُ العقل والمادة والغرض، بل ذوقُ عرفان هذا المقام، كمن يسير وينجذب إليه في آنٍ واحد، أو يجذبه هو إليه من فنائه إلى بقائه، ومن عقله المتبدل إلى يقظته التي لا تبدأ ولا تتبدل ولا تزول[9]: أنتَ بينَ الشِّغافِ والقلبِ تجري مثل جَريِ الدُّموعِ من أجْفاني وتُحِـلُّ الضَّـميرَ جوفَ فُؤادي كحُلولِ الأرواحِ في الأبْـدانِ * * * يا موضعَ النَّاظرِ من ناظِري ويا مكانَ السِّرِّ من خَاطِري * * * مَواجيد حـقٍّ أوجدَ الحَقُّ كلَّها وإنْ عجزَتْ عنها فُهومُ الأكابِرِ وما الوَجـدُ إلاَّ خطوةٌ ثم نظرَةٌ تنشِّي لهيبًا بين تلكَ السَّـرائِرِ إذا سكَنَ الحقُّ السَّريرةَ ضُوعِفَتْ ثلاثَةُ أحْوالٍ لأهـلِ البَصـائِرِ فحالٌ يبيدُ السِّـرَّ عن كُنْهِ وَصْفهِ ويحضرُهُ للوَجْد في حالِ حائِرِ وحالٌ به زمَّت ذرَى السِّرِّ فانثنَتْ إلى مَنظرٍ أفنـاهُ عن كلِّ ناظِرِ ولا نجد للتفريق والتمييز بين المواجهتين، السفلية والعليا، الدنيا والمتدلِّية، في توجُّه العامة ومسلك الخاصة أفضل من قولهم[10]: وأيُّ الأرضِ تخلو منكَ حتى تَعالَوْا يَطلبُونَكَ في السَّـماء تَراهم يَنظـرُون إليكَ جَهرًا وَهُم لا يُبصرُونَ مِنَ العَمـاء والفارق أيضًا، إذا استطعنا الإشارة والدلالة، هو أن هذا "التوحيد المحض" [الأدفيتا فيدنتا]، أو مسلك الأحدية، "ليس مذهبًا دينيًّا"، على حدِّ تعبير الحكيم شري آتمانندا الفيدنتي – ونستعيره لأن هذه الشروح أوضح من سواها – وهو: الفيدنتا ليس مذهبًا على الإطلاق. الفيدنتا يعني غاية المعرفة. هو الحق وحده الدالُّ على الحق. وهو لا ينازع أيَّ دين، بل يقول فقط لجميع المتديِّنين: "يا صاحبي العزيز، على قدر ما ذهبتَ إليه أنت على صواب. لكنْ رجاءً ارتقِ أكثر." الفيدنتا لا يختص بأيِّ دين بعينه، بل يستعلي عن الأديان جميعًا، وهو في الواقع غاية جميع الأديان. إن الفيدنتا وحده، الذي يدوم بوصفه الخلفية، هو الذي يهب الحياةَ للأديان طرَّا.[11] المسلكان الرئيسيان للعرفان والتوحيد: ولا يفوتنا أن نوضح أن مسلك الحكمة والتوحيد المحض، في الأوَّلين وفي الآخرين على حدٍّ سواء، هو على نهجين في الاقتراب من الكشف والسعي إلى نيل الحقيقة الأخيرة وفق تحديد مذاهب الحكمة القديمة: - النهج أو الطريق "الكوني" Cosmogonic Way، أي التعرف إلى الذات الجوهرية من خلال تحليل الكون ومفهوم الخالق والخليقة، ارتفاعًا من الكثيف إلى اللطيف، ومن المفهوم الفكري لروح الكون، الذي نسمِّيه المولى أو الله، إلى الجوهر الفريد الساطع في كلِّية مجده: برهمَن أو الحق. - النهج أو الطريق "المباشر" الذي يقصد التعرف إلى الحق – تنزَّه وتعالى عن كلِّ تنزيه واعتلاء – من خلال الإنسان ذاته ومن معراج الروح الإنسانية التي يسكنها الحق تعالى أو الآتمَن العظيم، كما يسكن هذا العالم بأسره، إذا جاز لنا القول، وينيرها كما ينير كلَّ ذرة من ذراته. "اعرف نفسك"، على حدِّ ما كان منقوشًا على مدخل هيكل دلفي Delphi الشهير في يونان الحكماء الأقدمين وفي حقيقة ما يعبِّر عنه الشاعرُ في قوله: دواؤكَ منكَ وما تَشعُـرُ وداؤكَ فيكَ وَمـا تُبصرُ وتَزعمُ أنك جِرْمٌ صَـغيرٌ وفيكَ انطَوَى العالمُ الأكبرُ أو قول الآية القرآنية الكريمة: "وَفي أنْفُسِكُم أفَلا تُبْصِرُونَ" [الذاريات 21]؛ والآية: "وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ" [ق 16]؛ و"مَن عرف نفسه فقد عرف ربَّه" (حديث)؛ و"إن للربوبية سرًّا، هو أنت، يخاطبه كل عين، لو ظَهَرَ لبطلت الربوبية" (سهل التُّستري). وهاتان المواجهتان للحقيقة الأخيرة أو للوجود الحقيقي تعمر بهما وتتَّسم مسالكُ جميع أرباب العرفان والحكمة منذ أقدم العصور. فتارة يكون النهج "الكوني" هو السائد عند فريق من العارفين، وأخرى يكون النهج "المباشر" هو الذي يتَّبعه ويوحي به أربابُ المعرفة الأخيرة. وكلتا المواجهتين واحدة في الوصول إلى الغاية والتحقق بالجوهر المبدع الأصيل. وأحيانًا يكون الأسلوبان والنهجان مختلطين ومتمازجين، كما هو واقع بعض طُرُق العرفان والحكمة في الصوفية الإسلامية ذاتها وفي التوحيد الدرزي. و"العقل الأرفع" vidhya vritti، أو "العقل الكلِّي"، أو "المطاع"، على حدِّ تسمية الغزالي – رضي الله عنه –، هو الناظر والمنظور من خلاله في آنٍ واحد وفي كلِّ حال، البصيرة والمجهر. فالذي يريد معرفة حقيقة الماء يستطيع ذلك وفق قول شري آتمانندا: النفوس الفردية، كالأمواج في البحر، تنوجد، ترتفع، ثم تسقط، يقارع بعضُها بعضًا ثم تفنى. تولد الأمواج وتحيا وتموت في البحر ذاته، وتولد النفوس الفردية وتحيا وتموت في المولى.[12] يمكن بلوغ الماء مباشرة من خلال الموجة باتباع الدرب المباشر. فإذا اعتمدنا الطريق عِبْرَ البحر نكون في حاجة إلى زمن أطول بكثير.[13] هذا ما يجب دائمًا أن نتنبَّه إليه عندما نقرأ أقوال الحكماء والعارفين، لكي نستطيع الفهم والتمييز ولا نتعثر في إدراك اختلاف المسالك. الثنائية المعتدلة: وتجب الإضافة أن بعض التوجهات تتوقف أحيانًا عند الإطلالة الأولى أو الثانية من الطريق، فلا تعبُر تمامًا واكتمالاً من الثنائية والازدواجية الظاهرة والباطنة إلى الأحدية الصرف. ويسمون ذلك "الثنوية المعتدلة" Semi-dualism. سبب السرِّية: ومن القواعد الألفية المكرَّسة في مسالك الحكمة والعرفان أن يحافظ المؤتمَنون على السرية لسبب جوهري توضحه الكتبُ المقدسة: تهيب الكتب المقدسة بالمجاهدين الروحانيين "ألا ينطقوا بالحقيقة المجرَّدة لأشخاص يغلب عليهم الفكر" لأن الحقيقة تتأذَّى من جراء ذلك. أمثال أولئك المستمعين يؤوِّلونها بحسب النسبية الموضوعية المعتادة التي لا يعيشون إلا فيها. إنهم يجدون أن من المتعذر مصالحة الحقيقة على هذا النحو. إذ ذاك يبدؤون في الهزء من الحقيقة نفسها، وهذا بالطبع يقودهم إلى التهلكة. لذا عليك أن تحاول تجنُّب مثل هذه الكارثة مهما كلَّف الأمر.[14] * * * الرد على الفكر بالفكر: هذا الكتاب القيِّم الذي نقدِّم له برز من ضرورة رفع مستوى النقاش والجدل والصخب المؤسف الذي أثاره كتاب مذهب الدروز والتوحيد، وتلبيةً لرغبة معظم إخواننا الموحدين (الدروز) وسواهم ممَّن شاقهم الأمر واهتموا به، وتحقيقًا لطلب المؤلِّف الكريم الأستاذ عبد الله النجار ذاته وهذا الفريق من المثقفين في الطائفة، كما جاء تتميمًا لمشيئة الهيئة الروحية الجليلة. وكانت مناسبةُ اجتماع ضمَّنا إلى بعض رجال الدروز من ذوي المعرفة والمسؤولية والدين في دارنا، في بيروت، في سعينا إلى تهدئة بعض الخواطر، ولكي يُرَدَّ على الفكر بوسائل الفكر. فأوكِلَ أمرُ درس هذا الموضوع إلى بعض الإخوان الحاضرين، من عقَّال وزمنيين، نخصُّ منهم الصديق الدكتور سامي مكارم الذي يجمع في شخصه المعرفةَ والإيمان. فجاء كتابه في نهجه العلمي أفضل إيضاح لما يبتغيه الموحِّدون من بحث في هذا المعتقد الشريف. وكان ما نحن بصدده نتاجَ هذا الاجتماع وهذا المطلب وهذه الأمانة. منطلق الإصلاح: وتملؤنا الرغبة ويحدونا الأمل بأن تتحول يومًا هذه البناية الضخمة الجميلة المسماة "دار الطائفة" إلى جامعة روحانية أو كلِّية مذهبية وشرعية وروحية ومنتدى للتنقيب والبحث والاستطلاع في مختلف بطون فلسفات الشرق واليونان، على شاكلة مجالس الحكمة عند الأولين أو "دار الحكمة" التي أنشأها مولانا الحكيم الحاكم بأمر الله على مثال "أكاديمية" أفلاطون – عليهما السلام – أو أندية الصوفية العارفين والمتحققين – رضي الله عنهم – في حِمَى الإسلام الحنيف. ففي مثل هذه المنتديات والملتقيات، تنمو الشعلة الروحية الضرورية لكلِّ تطوير وتزهو، وتكون البداية الحقيقية لكلِّ إصلاح أو تجديد أو تعميق – أو سَمِّه ما شئت – للمفهوم التوحيدي العرفاني الدرزي، الأصيل والعميق في جذوره التاريخية. وإلا فإن محاولات الإصلاح القائمة، مهما سَمَتْ وطابت نواياها وازدهرتْ شعاراتُها وشادت في ظاهر الأمر، – وهي مازالت لا تهدف في معظمها سوى هذا الظاهر الحسِّي من الأشياء، – ستخيِّب الآمال وستُمنى بالفشل. وكيف يستقيم إصلاح الظاهر وتطويره إنْ لم ينطلق السعيُ من الباطن وسمطه وروحه؟! أو كيف يصح للمصلحين أن يصلحوا، وهم يتعاطون معالجة الأمر من الخارج؟! – كمن يحاول بناء هيكل من الحجارة للصلاة قبل أن ترتفع في نفسه صلاةُ هذا الهيكل ذاته، أو كمن يبتغي اقتناء قيثارة ثمينة وهو لا يُحسِن اللعب على أوتارها ليستجلي منها ألحان جنة قلبه وخياله. * * * الإصلاح الحقيقي وشروط الولاية الروحيَّة: وهؤلاء الذين يبتغون الإصلاح صنفان، وكلاهما مشغوف بكلمتي التنظيم والتجديد: الأول يحاول تنظيم جماعة العقَّال والنسَّاك والتقاة والموحدين على مثال ما استوحى من النظام الكنسي الإكليركي – وهو أمر غير مرغوب فيه، ويناقض سنَّة السلف الصالح. إنما يجب أن يُترَك للعقَّال أمرُ تقرير عاداتهم وطقوسهم وسيمهم وسُننهم الألفية وما يرتضونه من تطوير في ذلك يقتضيه تبدل أحوال الزمان وشيوع المعرفة العلمية. وكل إصلاح حقيقي في هذا الباب يكون بالعودة إلى نظام السلف الصالح والمشايخ السابقين – و"لا إكراه في الدين" [البقرة 256]. والتنظيم الطقسي إلزام لا مبرِّر له في حدِّ ذاته. إنما المؤمنون هم جماعة من "الفقراء"، في المفهوم المعنوي أو المجازي للكلمة: أي أنهم تجرَّدوا ما استطاعوا من الرغبة في فائض الدنيا وبهرجة حلالها، وترفَّعوا عن انجذاب الجاه والمال والمجد الخارجي وشهوة الحواس، إلا فيما أجازتْه الطريقةُ لهم وأذِنَ به أدبُ السلوك. فهم على شاكلة المتصوفين المسلمين المتقدمين: فيجب أن تكون لهم الحرية في اتِّباع أفضل السبل وخير المسالك إلى ما يتطلعون إليه من التحقق بالمعرفة الروحية، والتمرُّس بالفضيلة، والتجمُّل بالتقوى – وهي اتِّقاء في جميع الأحوال، وهي "التقية" الحقيقية. وقد تتنوع مسالك اليوم في تفرعاتها وفق حاجة العصر وتبدُّل الظروف الاجتماعية والأزمنة؛ ولكلٍّ منها درجات ومقامات والتزامات. فلا يجوز أن يُفرَض على الموحدين، ضمن هذا الإطار الشامل للتوحيد، سَمْتٌ واحد وتقليد واحد وهذا التنظيم الطقسي الذي هو أبعد ما يكون عن حقيقة المعتقَد وروحه وتقليده وتوجيهه. بل إن على الرئاسة الروحية فريضة الإرشاد والوعظ والتوجيه واسترشاد الأفضل من مقام الأوَّلين الصالحين ومثالهم. ويجب أن تبقى الولاية الروحية الحقيقية للمجلِّين والمتفوِّقين على أقرانهم من المشايخ والعقَّال والمؤمنين والسبَّاقين في مجالي الحكمة والفضيلة. إنما المعتقد الدرزي أو التوحيدي، فوق كلِّ شيء، هو مسلك للتحقق بالعرفان والولاية الروحية والحكمة الزاهرة. أما "الزعامة الروحية"، في المعنى المعروف الشائع، فإنها لا تنطبق على المفهوم التوحيدي الدرزي الأصيل. بل إن الزعامة الروحية الحقيقية هي نقيض الزعامة الوجاهية في القصد الزمني العادي المنطوي على فكرة الرئاسة والمؤسَّس على السلطة والجاه. هذه الزعامة الروحية الأصيلة هي اشتقاق معنوي وامتداد تاريخي تقليدي لفكرة الإمامة، أي الرشد والحكمة وسلطة التوجيه والتقويم لمن تكون له، من ذاته ومن تحقُّقه وعرفانه، مكنةُ التوجيه وحقُّه واستحقاقه. وهي نوعان: ولاية تنظيم ورعاية للمصالح الشرعية والروحية الظاهرة للجماعة – ولاية القسط فيما بينهم بالعدل؛ وولاية استرشاد بالمثل الأفضل، واهتداء بالولاء الأرفع، واستئناس بالعرفان الأعلى وبالتوجُّه الأصفى. والأفضل والأصح والأنسب طبعًا، والأقرب إلى تمثيل فكرة "الإمامة"، هو قيام الولايتين ووجودهما وتوحُّدهما في الشخص ذاته. فهكذا كان واقع المشايخ السابقين: فالهداية ولاية في حدِّ ذاتها، تفرض نفسَها ولا تُستبعَد ولا تُنكَر. ويجب أن يبقى أبناء التوحيد محافظين على هذا التكريس والتهيؤ التقليدي والاجتباء الإنساني لفكرة الولاية. لأنه، في النهاية وفي الحقيقة، لا ولاية على الموحدين ولا على الأنام كافةً إلا للعقل الأرفع – صلوات المهيمن عليه: "إنَّها لنفوس اطمأنَّت بسلام نار قدسيَّتها العليا، بجمال كمال إنسانيتها." العقل الأدنى والعقل الأرفع: أما "العقل" الذي نعني فليس هو العقل في المعنى العادي للكلمة، أي هذه الوظيفة التي تمكِّن من القياس والمقارنة والتمييز والمحاكمة فيما بين أغراض الحواس ومعقولات الفكر، وللاتصال بشؤون هذه الدنيا والتعاطي بأحوالها، والتمكُّن من معالجة ظروف العيش على تنوُّعها. إنما العقل المقصود هو العقل الأرفع: هذا الفيض اللطيف والصورة البسيطة النورانية المتجلِّية في كلِّ حين، وهذه الأداة الإشراقية الرفيعة Supreme Organon، على حدِّ تعبير بعض الحكماء الأصيلين، التي ترجع أحكامُها، وتعود في تقييم موازينها واستنتاج تمييزها وتحليل تجريدها وفصلها ووصلها وقطعها، إلى الحقيقة السرمدية ذاتها، الكامنة في عين نفوسنا واختباراتها، وتتنزَّل منها. فالعقل العادي يتوجَّه إلى الخارج، ويسترشد في منطقه باختبارات أغراض الحواس وما تعكسه من معقولات عن الدنيا، في إدراكها وفي مرآة الفكر والتذكُّر. وهذه الأشياء والأغراض هي في دورة التبدل والتحول الدائم؛ ولولا هذا التبدل والتغير لما كانت في الظاهر. أي أن هذا العقل العادي يستهدي بنور الدنيا واختباراتها. أما العقل الأرفع فيستهدي ويستوعب بالحقائق الثابتة وبالاستطلاعات الأزلية المشرفة والاختبارات والتأمُّلات المتجلِّية من الجوهر الكامن في غلاف العقل الظاهر، أي عقلنا الأدنى العادي، ككمون النار في حجره: هذا، الشاهد على كلِّ شيء، هذا، نور ذاته، في غلاف العقل، على الدوام يسطع.[15] وهذا العقل الأرفع هو في صلة واتصال دائم بهذا الجوهر الفرد الفريد، لأنه مدُّه وامتداده، وفيضه ونوره فينا، لا ينفصل عنه ولا يجانبه ولا يستتر في مكاشفته لحظة؛ بينما العقل العادي يتناول في اختباراته العَرَض والظاهر، هذا الذي من طبيعته وإبداعه أن يتبدل ويتحول ويفنى في كلِّ آن. العقل الأرفع والولاية: ولا تكون ولايةٌ ولا تقوم هدايةٌ ولا تستوي إمامةٌ روحية أو زمنية إلا بالاسترشاد بفيض هذا النور الأول وتنزُّلاته في بيوت قلوبنا وفي معارج هذه النفس الشريفة التي أبدعها من نوره، كقبس منبعث من الشعلة الجوهرية السرمدية، لا تنفصل عنها، وإلا ضلَّت وامَّحقتْ ولحقها العدم. عيوب الإصلاح السطحي: وصنف آخر من المصلحين – وبعضهم من المثقفين بثقافة العصر العادية السالكة – يحوِّمون من الخارج على الأمانة المستودعة التي خلَّفتْها الأجيال بين أيدي أولي التوحيد والمؤتمَنين عليه، ويدورون حول سدرة المنتهى المستغلقة عليهم، ويرتئون أو يحاولون – باسم هذه الثقافة العصرية العامة السالكة – أن يعالجوا الموضوع، وهم خارجون عن حلقة إدراك التوحيد وبعيدون عن مسلكه وجاهلون (أو متجاهلون) لمضمونه في كلِّ حال. وهذا الفريق يستوحي ما يبتغيه ويرتئيه من تطوير وإصلاح من بعض مفاهيم المجتمع الحديث وأنظمته ومؤسَّساته الدينية والزمنية. وهؤلاء لا يتنبهون إلى أن هذا المجتمع وأربابه ونخبته الواعية أخذوا، أكثر فأكثر، يحاولون التخلص من مغريات هذا النظام ومفاسده الانحلالية وآفاته وأضراره في عيش الإنسان وفي صحته وفي طباعه وخُلُقه وتوجيهاته، وحتى في سلالته، وهم يستغيثون مما جرَّتْه هذه الحضارة المادية، المتضمِّنة اختلاط القيم، وفوضى الحرية الفردية، والابتعاد عن الأرض وعن الطبيعة، وانهيار مؤسَّسات المجتمع الطبيعية، من بلايا عبَّر عنها كتابُ العالم المعروف الدكتور ألكسيس كاريل [الإنسان، ذلك المجهول] بشكل خاص، ولا أبلغ ولا أوقع من قوله: لأن الإنسان عاجز اليوم أن يتَّبع هذه الحضارة في الطريق الذي تتوغل فيه، لأنه ينحط فيها. وإذ بَهَرَه جمالُ علوم المادة الجامدة، لم يفهم أن جسمه ووعيه يمتثلان لقوانين أكثر غموضًا من قوانين عالم الأفلاك، وإن لم تكن لا تقل عنها حتمية، وأنه لا يستطيع أن يخالفها من غير أن يعرِّض نفسه للخطر. [...] فانتباه البشر يجب أن يتحول من الآلات ومن العالم المادي إلى جسم الإنسان وروحه، إلى السيرورات الفسيولوجية والروحية التي لولاها لما وُجِدَتْ الآلات ولما وُجِدَ كونُ نيوتن وأينشتاين.[16] تنظيم أهل العرفان في الأوَّلين: ثم إن للموحِّدين، على يد بعض الخلفاء الفاطميين وقبلهم في الأدوار السابقة من تنزُّلات الحكمة عبر التاريخ، تنظيمًا خاصًّا بهم مستمدًّا من سُنَن وقواعد وأنظمة ومعرفة بالروح الإنسانية، أثارت جميعها دهش المؤرخين وإعجاب أساتذة التنظيم وقادة الجماعة وأولي الرأي البصير الحكيم. وللتمثيل لا أكثر، نعود بالقارئ إلى التنظيم الذي أبدعه فيثاغوراس – عليه السلام – في مؤسَّسته الشهيرة، وتنظيم جماعة "الأسينيين" Esséniens قبل الناصري بقليل، وشرعة الانتظام في الدعوة الفاطمية. فلا يجوز، إذن، قياس الإصلاح ووزنه واعتماده بمقاييس ومعايير الحضارة المادية الفردية القائمة التي تهدِّد الإنسان والعائلة والمجتمع والعقل بأخطر كارثة حلَّتْ أو تحلُّ به. تنظيم الطوائف الدينيَّة هو غير نظام أهل التوحيد: ويتصور هذا الفريق أحيانًا، كما سبق وأشرنا، تنظيماتِ بعض الأديان والطوائف الأخرى لنقلها وتطبيقها، أو استيحائها، في أسلوب مواجهتهم بعض الأوضاع الدرزية المتخلِّفة في الظاهر. ولكن هذا التوجُّه والانجذاب ليس هو أيضًا بالحلِّ السليم. ونحن نرى في حاضرنا كيف أن أضخم مؤسَّسة كنسية مسيحية تنفض عنها غبار الأجيال وتكدُّس التقاليد اللاحقة، وتحاول التخلص من بعض الأنظمة والتشكيلات الإكليركية، لتعود بالمؤسَّسة إلى طبيعة الأشياء، وما تبرزه بداهة، أو إلى ما أبرزتْه، أولاً وفي أصالتها، من أنظمة بسيطة غير معقدة لضبط نظام المعتقد وإشاعة وحيه وتقويم شؤون الجماعة. دروب الإصلاح الحقيقي: إن الإصلاح الحقيقي هو في استيعاب وتفهُّم التراث التوحيدي العرفاني والحضاري النابع عنه، العميقة جذوره في التاريخ، وربما فيما قبل التاريخ المعروف، وفي الانصراف والانكباب على تتبُّعه وتحصيله، وفي الولوج، إن أمكن، في محراب شهوده الأخير، ثم العودة من هذا المرتقى للنظر في شؤون المسلك وطرق إصلاحه وتقويمه باسم هذا التراث ذاته وباستقطابه وروحه ونهجه، على خطى المشايخ السابقين والسيد عبد الله التنوخي وأمثاله. ولا يجوز أن تعبث نزعةٌ فردية عابرة أو نزوةٌ متجدِّدة مستكبِرة بإرث الآلاف من السنين المستوضَح في اختبار الإنسانية العارفة، المتعاقبة أجيالها على وجه هذه الأرض، كسلسلة ذهبية مشعة من الأقطاب وذوي المنزلة، منذ ألِفِ الدنيا إلى غاية يائها. فالإصلاح لا يقوم بالتشذيب الأعمى، ولا بالزيادة أو النقصان، ولا بتقليد الجديد، – أيِّ جديد، – ولا بالتشويه أو التحريف والهدم، بل بالتنمية المتوافقة والتطوير الملازم الملائم. كالشجرة الذابلة أو الذاوية، يهدِّدها اليباس، فلا نعالجها بجري الفأس في جذعها وأغصانها، بل بالعودة إلى جذورها من حيث يرتقي إليها غذاءُ حياتها، فنبادر هذه الأصول بالعناية والنقب والأسمدة والري، لكي تنتعش المظلَّة الخضراء من جديد، وتنمو وتمدَّ الفروع والأغصان في إشراقة الشمس، وطلل الصبح الغافي، ونسيم الأمسيات، وندى الأسحار، ولفح وهج الظهيرة، التي منها جميعًا تستقي الأصولُ والفروعُ والأوراقُ تكامُل دورة الغذاء في الشجرة الباسقة النامية. وإنما التراب والماء والهواء والشمس والأثير كلها عناصر تدخل في تكوين هذه الموسيقى، الجاذبة لحواسنا ولعقولنا وبهجتنا، التي تؤلِّفها حياةُ أصغر الكائنات الخضرية النابتة من الأديم. التفقُّه والإصلاح: واستطرادًا وتوضيحًا لضرورة المطلب وإلحاح الحاجة، كنَّا نتمنى لو توفَّرت الظروف لتلبية دعوتنا التي مضى عليها أكثر من سبع سنوات، وأُرسِلَ عددٌ من الشباب المؤمنين، أو من المشايخ المتقدِّمين أنفسهم، إلى بعض الجامعات الإسلامية الكبرى، كالأزهر الشريف والنجف المبارك، ليتلقَّنوا القرآن – وهو مصدر تأويلهم – ويتدارسوا الفقه والحديث وعلوم التصوف والروحانيات على أصالتها، على غرار خطى كبار أولياء الدروز، – وفي طليعتهم الأمير السيد عبد الله التنوخي، والشيخ محمَّد أبي هلال الفاضل، والشيخ يوسف الكفرقوقي، إلخ، – فتتم لهذا النفر من الموحدين، بهذا التحصيل، القدرةُ على إحياء علوم الدين وإعلائها كما ينبغي، وتتوفر لهم مكنةُ الوعظ والإصلاح على تمامها. * * * ارتباط مسالك العرفان: وفي رأينا أنه لا يمكن النظر إلى مسلك التوحيد منفصلاً ومستقلاًّ عن مسالك الحكمة والعرفان المتقدمة في أدوار التاريخ المعروف والمجهول، التي عمرت بها حياة المؤمنين الأولين الموحدين في مصر الفرعونية القديمة، وفي الهند وإيران وبلاد التيبت وما وراء الواحات، وفي بابل وآشور، وفي اليونان وفي جزر البحر الأبيض المتوسط وعلى انفراج شواطئه، ثم بعد ذلك في الإسلام، مرورًا بالنصرانية الأولى وما قبلها فيما تكشَّفت عنه مغاورُ البحر الميت في فلسطين، وبالمذاهب العرفانية Gnosticism التي انتشرت في كل صقع من أصقاع العالم القديم. فالحكمة لا تنفصل، في أيِّ زمان أو مكان، عن الاستطلاع الأخير للعقل ونزعته الجوهرية إلى معرفة مصدر انبثاقه وأصل ينبوعه ومعين إبداعه. ولا ينفصل هذا المسلك التوحيدي (أي الدرزي) بشكل خاص عن التصوف العرفاني الإسلامي والتحقُّق الحنيف الأصيل الذي استقى هو ذاته مما سبقه في اختبار أرباب الحكمة والعرفان الأقدمين. ففي درس هذه المصادر واستطلاع كشفها يكمن سرُّ اجتناب الخطأ في تكوين فكرة صحيحة عن المعتقد التوحيدي الدرزي. نهج العقل والقلب هو التوحيد: ومطلب التوحيد هذا هو في منطق نهج العقل البشري وتقصِّيه وسيره واستطلاعه. فالشعور (أي القلب) يطلب التوحيد والوحدة، ولا تطيب له السعادةُ إلا إذا غمرتْه غبطةٌ واحدة، متصلة، عميقة، دائمة، لا تتبدل ولا تتغير. والعقل يطلب أيضًا التوحيد والوحدة: وحدة التفسير ووحدة عقل جميع مظاهر الكون، ولا يرتاح من قلقه الأزلي واستكشافه الأبدي إلا إذا حلَّتْ فيه وحدةُ التفكير وانسجام الأسباب في فعلها الأول وكانت له نظرةٌ واحدة منسجمة إلى الكون. والحب ذاته – حب العاشق والمتصوف والشاعر والفنان والقائد الاجتماعي والرائد السياسي – أليس هو طلب الوحدة والتوحُّد مع الآخر، مع الآخرين؟ كأن التذكُّر الذي في نفوسنا لوحدة مصدرنا وانبثاقنا ولوحدة جوهر أرواحنا – وكيف نستطيع أن نفهم بعضنا بعضًا في النطق والفكر والتصور لولا هذه الوحدة الكيانية الأولى؟ –، كأن هذا التذكُّر والاذِّكار يهيج فينا وَجْد العودة من جديد إلى الواحد الأحد، إلى عين هذه الوحدة ذاتها، حيث يشعُّ الوعي والسلام والوجود الحقيقي. غاية العلم هو التوحيد: والعمل البشري يطلب هو ذاته الوحدة والتوحيد وينفر بطبيعته من جوِّ التبدل والتغير، ويسعى إلى تحقيق تصور ومثال من السعادة والوجود الإنسانيين لا يتبدلان ولا يزولان. وهؤلاء العلماء المعتكفون في مختبراتهم، والمتأمِّلون مدى الحياة في التفتيش عن حقيقة الأشياء التي تتهرَّب دائمًا وأبدًا أمامهم في غلاف تفكُّك المادة الأخير إلى أجزائها وجزئياتها الطاقيَّة النهائية، يتوغَّلون بمسابر مجاهرهم ومراصدهم البلورية والإلكترونية في مجاهل الكون الهائل المنتشر في مدًى لحيِّز المكان "لا نهاية له، ولكنه محدود"، على حدِّ تعبير أينشتاين – وهم عشاق المعرفة ومتصوِّفو قبسها الأخير – هؤلاء العلماء لا يتوقفون عند تفسير كيفية صدور العناصر والمركَّبات وخروج بعضها من بعض، بل يتقصون، بشغف المدنف وبصيرة الملهوف الجَلود، المعادلةَ الأخيرة الوحيدة التي تفسَّر بها جميع طاقات الوجود، من مادية وحياتية ونفسية، موضوعية وذاتية (أي فردية) في آنٍ واحد. إنهم يطلبون الوحدة والتوحيد – وكيف لا يكون ذلك، ونهج العقل ومنطلَقه هو إلى الوحدة والتوحد دائمًا وأبدًا: يسعى إلى تفسير المركَّب بالبسيط، والكثيف باللطيف، وهكذا إلى ما لا نهاية، إلى أن يتصل بالبسيط واللطيف الأوحد الذي به تُفسَّر جميعُ الظواهر والأشياء وتعلَّل. وبدهي القول إن هذه المعادلة الأخيرة للوجود الظاهر، التي تشوَّق أينشتاين إلى اكتشافها وتحديدها قبل وفاته بقليل، لا تعود، في هذا المستوى الأخير، معادلةً على الإطلاق، لأن هذه الطاقات التي تنبثق وتتنزَّل وتتجلَّى وتتفرع من هذا المرتكز الورائي الخلفي الأخير، ومن عين أصالة الوجود – ولا "عدم" في الوجود – تضيع وتضمحل وتندثر وتذوب كما في ينبوعها ومصدرها وعينها ونقطة بروزها وكينونتها. إذ ذاك، يتوحد الشاهد والمُشاهَد، والناظر والمنظور إليه، في الحقيقة النهائية والاختبار الأخير الذي تنتهي إليه جميع المعادلات. اكتمال العلم بالعرفان وتوافُقهما: وبعد، فيعتبون على الموحدين ويأخذون عليهم إنْ هم لم ينجذبوا، خارجًا ونزولاً وانحرافًا وعماهة، إلى هذه الأشباح الظاهرة في الكون الحسِّي السحري المحيط بهم، وإنْ هم أرجعوا بصيرتَهم إلى الباطن الخفي، وتطلَّعوا، في داخلهم وفي داخل الأشياء، إلى حيث هبطت من نقطة الإبداع جميعُ هذه المبدَعات المتسلسلة المتجلِّية في سمط عقد النجوم وأكاليل المجرات والسُّدُم وفي العوالم المجهرية المشعة، الدائرة في أفلاك الخلايا والذرات، وفي نور سماوات نفوسهم. فسبحان مَن جعل العارفين، في الحقلين، والمنطلَقين، والسفحَين، وفي الباطن والظاهر، يتلاقون ليصدحوا على "مآذن أفئدة قلوبهم" بنداء الوحدة النابع الهادر من صميم هذا الوجود وثناياه بذلك النغم الأزلي الذي بعث فيهم العشق والتوق في الحالتين، والذي به وُجِدَ وكان العالمُ الظاهر والباطن على السواء – وهل ينفصل أحدهما عن الآخر إلا في منطق المحال؟ وسبحان مَن أوحى إلى النوريِّ – رضي الله عنه – قوله العجيب: "إن الله لطَّف ذاته فسمَّاها حقًّا، وكثَّف ذاته فسمَّاها خلقًا" – تعالى إبداعه عن كلِّ وصف وتشبيه. * * * الذهنية المعاصرة لمبادئ الحكمة والعرفان: إن مسالك التوحيد والحكمة والعرفان هذه – ولا عرفان بلا توحيد، ولا توحيد بلا عرفان – تبرز أهمِّيتُها البالغة من جديد في العصر الماثل القائم، من جرَّاء تناقُض الأديان وازدواجية الشرائع وتطلُّب العقل الذي يريد أن يتجرَّد عن التقليد والتبعية والالتزام، للتعرف إلى حقيقةِ ماورائية الأشياء، فيما يعانيه الإنسان المعاصر المتمدِّن من عذاب العقل، وآلام النفس، وفراغ القلب، وتشتُّت الفكر، وشقاوة الطموح، وضلالات النظريات الفلسفية والاجتماعية، على اختلافها. فإذا بهذا العرفان أو التوحيد الأصيل يبرز في مواجهة الواقع، كالمفتاح الذهبي السرِّي الوحيد لتعدِّي محدوديَّات العلم ونظرته الأخيرة، ولحلِّ المشكلات المادية والنفسية والأدبية والروحية والحضارية التي يتخبط فيها الإنسانُ المعاصر، المتمدِّن في خارجه، لكنْ غير المتحضِّر في داخله وباطنه. وهذا الأمر هو الذي فطن إليه كبار العلماء، من فيزيائيين وبيولوجيين ونفسيِّين وأطباء ومربِّين وموجِّهين، فأخذوا، أكثر فأكثر، يعودون ببصيرتهم ليستكشفوا ويتحقَّقوا ما كانوا، في سعيهم وشغفهم وإلحاحهم المثابر، يطلبون، فيروا، وسط الدهش والإعجاب وتسبيح العقل العفوي المنطلق، أن ما توصَّل إليه أبناءُ العرفان والحكمة، في كلِّ شريعة ودين، يفوق كلَّ تصوُّر وكلَّ اكتناز ثروة وكلَّ إرث حضارة أو مكنون علم أو استيعاب اختبار ونهج اختراع. ورأوا، ثانيًا، أن هذه الحقيقة، التي أدركها وشاهَدَها العارفون، في معراج توحيدهم وشهودهم واستئناسهم وفي مجاليها، هي يقين لا يُداخِلُه شك ولا ريب ولا ظلمة شبهة. وتيقَّنوا، ثالثًا، أن هذه الحقيقة المستجلية هي ذاتها لا تتباين في مواصفاتها وجوهرها عند الحكماء والعارفين والمتحقِّقين في جميع الأدوار والعصور والمذاهب والمسالك والأديان، لا يختلف أحد العارفين مع الآخر في شأنها، ولو اختلف معراجُه، وبَعُدَ عنه في الظاهر مرتقاه، أو تنوَّع مرصدُه ومجهره. فسبحان العين الأولية التي تبصر بها جميع العيون. فهو "المبصر للإبصار في الأبصار" – وحقًّا كان ذلك عليه برهانًا ودلالةً، ومنه يقينًا، وإليه سبيلاً ومسلكًا. وكان الحكيم الهندي شري آتمانندا – تقدَّستْ حقيقته – يقول: "استيقظ، قُمْ، ولا تتوقف حتى بلوغ الهدف" – هذا هو نداء نفير الفيدنتا. جميع الأديان تلبِّي أذواق البشر وتُضاعِف – جهلاً – الاختلافاتِ فيما بينهم. لكن الفيدنتا وحده يلبِّي الحقيقة التي لا تتغير ويوفِّق بين جميع الاختلافات دون استثناء. فعلى حدِّ القول الرشيد: في حين لا يتفق دينان أو صوفيان أو يوگانيان أو عالِمان أو فيلسوفان، لم يحصل قط أن اختلف حكيمان في شأن الحقيقة المطلقة.[17] (المحاضرات الروحانية، ص 410) وهذا برهان آخر على حقِّية هذا الاختبار وحقيقته. * * * الحكمة الخالدة 2 محاولة في تفهُّم مصادر وأصول الحكمة والعرفان [IMG]file:///C:/Users/ASUS/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image004.jpg[/IMG] واعلمي، يا نفسُ، أنَّ الإنسان لم يُخلَق لمعنًى من المعاني إلاَّ للعلم والعمل به. – هرمس الله قِبلة الدنيا، والنيَّة قِبلة القلب. – سهل التستري التوحيد ووحدة الوجود: وفي ضوء هذا التقييم والإيضاح والاسترسال، تبرز لنا حقيقتان في خصوص مفهوم التوحُّد أو وحدة الوجود وفي خصوص الحلول أو التجسُّد: كيف يمكن، أولاً، للمتغير الفاني – و"الفناء" هو في هذا التغيُّر الدائب – أن يتوحَّد أو يتحد بالباقي الأزلي–الأبدي، وفي الوقت نفسه أن يبقى؟! – وهو الذي لا يتغير ولا يتبدل، لا يبدأ ولا يزول. وقديمًا اتُّهِمَ الشيخُ محيي الدين بن عربي – قدَّس الله سرَّه – خطأً بـ"وحدة الوجود" أو بشيء من هذا القبيل. إنما هذه التعبيرات كلها هي في لغة المجاز ومعنى الدلالة وقصد الإشارة، لا أكثر – وهو القائل: شمسُ الهوَى في النُّفوسِ لاحتْ فأشـرَقَتْ عندَهـا القُـلـوبُ الحـبُّ أشـهَـى إلـيَّ مـمَّـا يقُـولُـهُ العَـارِفُ اللَّـبيـبُ يـا حُـبَّ مــولايَ لا تُــوَلِّ عـنِّـي فالعيـشُ لا يَـطيـبُ لا أُنْـسَ يَـصـفُـو للقَـلبِ إلاَّ إذا تَـجَـلَّـى لَـهُ الحَـبيـبُ وله هذه الأبيات المعبِّرة الجميلة أيضًا: النَّارُ تضـرمُ في قَلبي وفي كَبدي شَوقًا إلى نورِ ذاتِ الواحد الصَّمَدِ فجُـدْ عليَّ بنُـورِ الذَّاتِ مُنـفرِدًا حتَّى أغيبَ عَنِ التَّـوحيدِ بالأحَـدِ جادَ الإلَهُ بِهِ في الحَـالِ فارْتسمتْ حقيقةٌ غيَّـبَـتْ قلبي عن الجَّسَـدِ فصرْتُ أشـهدُهُ في كـلِّ نـازِلَةٍ عنايةً منهُ في الأدنى وفي البُعُـدِ * * * بطلان الحلول والتجسُّد: أما عن الحلول أو التجسُّد، فلا يمكن للأحد السرمدي القائم الثابت أن يحلَّ أو أن يتجسد في المتنوِّع الذي من طبيعته وإبداعه التبدل والتغير والزوال. فهذا من منطق المحال! التنزُّل والتجلِّي: لذا نرى الموحِّدين يؤثرون فكرةَ التنزُّل أو التجلي. ويحصل ذلك عندما المتحقِّق الحكيم [...] يتخلَّص من تلك الآدميَّة، فتفيض عليه الصفاتُ الربَّانيَّة وتتجلَّى فيه الأنوارُ الإلهيَّة. ومشهد هذه الحقيقة وشهودها واختبارها لا يتم إلا عندما تموت هذه النفس الأنانية الفردية في الإنسان، فيعود قبسُ الجمر، بشكل من الأشكال، إلى الشعلة التي انطلق منها. ألم تقل آية الحديث: "النَّاس نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا"، أو الآية القرآنية: "وتَحْسَبُهُمْ أيقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ" [الكهف 18]؟ أي، على حدِّ تعبير بعض الصوفية، إذا امَّحت هذه النفسُ الأنانية الفردية وماتت قبل الموت – وهو الموت الصحيح، أي فناء الفناء، أي بداية الحياة الحقيقية منذ عتبة هذا الوجود الظاهر. سُئل أبو يزيد: "هل يقع للعارف عن الله حجبة؟" قال: "لا، لأن حجابه هويَّته." وكان يقول: "الناس يقولون به، وأنا أقول منه." وسُئل الشبلي: "متى يكون العارف بمشهد من الحق؟" قال: "إذا بدا الشاهدُ وفني الشواهدُ وذهب الحواسُ واضمحلَّ الإحساس." وسُئل أبو يزيد البسطامي عن صفة العارف، فقال: لونُ الماء لونُ إنائه: إنْ صببتَه في إناء أبيض خلتَه أبيض، وإنْ صببتَه في إناء أسود خلتَه أسود؛ وكذلك الأصفر والأحمر وغير ذلك. يتداوله الأحوال، ووليُّ الأحوال وليُّه. – كالنَّاظر إلى ذاته في المرآة! وقيل للنوري: "بِمَ عرفتَ الله تعالى؟" فقال: "بالله!" قيل: "فما بال العقل؟" قال: "العقل عاجز، لا يدل إلا على عاجز مثله." لمَّا خلق الله العقل قال له: "مَن أنا؟" فسكت. فكحَّلَه بنور الوحدانيَّة، فقال: "أنت الله!" فلم يكن للعقل أن يعرف الله إلا بالله! ومن أروع الآيات أنْ سمع أبو يزيد رجلاً يقول: "عجبتُ ممَّن عرفَ الله كيف يعصيه!" فقال – رضي الله عنه –: "عجبتُ ممَّن عرفَ الله كيف يعبده!" – أي لا يعشقه، فيفنى شهودُه في معرفته وحبِّه، فيضمحل حجابُ الثنائية، ويزول العبدُ ويبقى الرب. وتكون الطاعة، إذ ذاك، ولايةً بدهية وطبعًا ملازمًا وكرامةً لا تنقطع، يتصرَّف بإرادته – تعالى – لا بإرادة نفسه. وقال أبو يزيد مرة لخادمه ووليِّه: "يا أبا موسى، إن المؤمنين بلا نفس." ثم قرأ الآية: "إنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أنْفُسَهُمْ" [التوبة 111]. "فمَن باع نفسَه فكيف تكون له نفس؟!"[1][1] فسبحان ذي الجلال والإكرام مِنْ أن تدركه العقول والأبصار – وهو المنزَّه عن الوصف والتعريف. وسبحانه مِن أن يوصف أصفياؤه دون ذواتهم وأولياؤه دون أنفسهم – وتعالوا عمَّا يذكر العباد في وصفهم، وتعالى الله عمَّا يصفون. ولا بدَّ هنا من العودة إلى الإمام أبي حامد الغزالي – رحمه الله – الذي نتبنَّاه لتوضيح القصد: من هنا ترقَّى العارفون من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة، واستكملوا معراجَهم، فرأوا، بالمشاهدة العيانيَّة، أنْ ليس في الوجود إلاَّ الله – تعالى – وأن "كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ" [القصص 88]: لا أنَّه يصير هالكًا في وقت من الأوقات، بل هو هالك أزلاً وأبدًا، لا يُتصوَّر إلاَّ كذلك. فإنَّ كلَّ شيء سواه، إذا اعتبر ذاتَه من حيث ذاته، فهو عدم محض؛ وإذا اعتبر من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأوَّل الحق، رُؤِي موجودًا لا في ذاته، ولكن من الوجه الذي يلي موجِده. فيكون الموجودُ وجهَ الله – تعالى – فقط. فلكلِّ شيء وجهان: وجه إلى نفسه، ووجه إلى ربِّه؛ فهو، باعتبار وجه نفسه، عدم، وباعتبار وجه الله، موجود. فإذن لا موجود إلاَّ الله – تعالى – ووجهه. فإذن "كل شيء هالك إلا وجهه" – أزلاً وأبدًا. ولم يفتقر هؤلاء إلى يوم القيامة ليسمعوا نداء الباري – تعالى –: "لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّار" [غافر 16]، بل هذا النداء لا يفارق سمعَهم أبدًا.[2][2] العارفون – بعد العروج إلى سماء الحقيقة – اتفقوا على أنَّهم لم يروا في الوجود إلاَّ الواحد الحق. لكن منهم مَن كان له هذه الحال عرفانًا علميًّا، ومنهم مَن صار له ذلك حالاً ذوقيًّا، وانتفت عنهم الكثرةُ بالكلِّية، واستغرقوا بالفردانيَّة المحضة، واستُوفيت فيها عقولُهم، فصاروا كالمبهوتين فيه، ولم يبقَ فيهم متَّسع لا لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضًا. [...] وهذه الحالة، إذا غَلَبَتْ، سُمِّيتْ بالإضافة إلى صاحب الحالة فناء، بل فناء الفناء، لأنه فني عن نفسه، وفني عن فنائه: فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال، ولا بعدم شعوره بنفسه؛ ولو شعر بعدم شعوره بنفسه لكان قد شعر بنفسه! وتُسمَّى هذه الحالة بالإضافة إلى المستغرَق به بلسان المجاز اتحادًا أو بلسان الحقيقة توحيدًا.[3][3] ويعني الإمام الغزالي بـ"العرفان العلمي": الكشف عن الحقيقة في صلة الشيخ بالمريد؛ ويعني بـ"الحال الذوقي": الاستقرار في هذا الكشف والتثبُّت فيه بعد أن يكون الوهم الحسِّي قد زال واضمحل تمامًا وكمالاً. * * * حقيقة العالم الحسِّي: والحقيقة هي أن هذا الوجود الظاهر هو عالم حسِّي أو "عالم حواسي" sensorial world، على حدِّ تعبير كبار العلماء الفيزيائيين؛ إذ إن الإنسان لا يستطيع إدراك هذا الوجود الظاهر إلا من خلال الحواس[4][4]. فنحن لا نعرف شيئًا عن حقيقة الأشياء؛ بل كل ما ندركه هو هذه الصور الحسية التي تعكسها حواسُنا والتي هي من طبيعة حواسنا وتكوينها وإبداعها، لا تنفصل عنها. أما الشيء في حقيقته، وراء هذه الشاشة من الصور الحسية، فإنه يظل مجهولاً، محجوبًا، لا يرتقي الإدراكُ إليه، ولا تتوصل إليه المعرفةُ العلمية الموضوعية. وحتى هذه الذرات أو القُسَيمات الكهربائية التي تنفلق عنها المادةُ إنما هي صور حسية لا أكثر، رموز يصعب علينا – بل يتعذر – تفسيرُ محتواها وجوهرها. نحن نعيش، في الواقع وفي الحقيقة، وسط عالم من الرموز symbols تؤلِّفه جميع هذه المدرَكات الحسية والمعقولات الفكرية، تمامًا كما هو وضع كلمات اللغات وعلامات الموسيقى. وهذا الكون، إنْ هو إلا نشيد عجيب هائل يزخر بكينونة الإبداع الدائم، تتلقَّفه عيونُنا وآذانُنا وحواسُنا كافة بعد أن تكون هي أبدعتْه، فتتأوَّب أصداؤه في سماوات عقولنا من حيث يتنزَّل وينصبُّ النورُ اللطيفُ العارف الذي به ندرك جميع المحسوسات والمعقولات ونضفي عليها الأشكالَ والصورَ والمعاني: وليعلم الموحِّدون أن المبدعات [التي تحصل] من مولانا العقل – صلوات المهيمن عليه – في مرآة الظاهرة الحسيَّة هي ملزمة وفيها فيضُه. ووراء ذلك كلِّه ألف سرٍّ لا يرتفع عنه النقاب، ولا يتلاشى فيه الرمز ولا تشرق الدلالة، إلا عند الكشف التحقُّقي الثابت الأخير. فسبحان مَن أبدأنا وذرأنا من نور يقظته وفيض سعادته ومعدن جوهر وجوده! الوجود الحسِّي هو كالحلم: ويكفي التنبيه والتنويه والتشبيه بأن يكون هذا الوجود الظاهر، بوصفه عالَمًا حسيًّا لا أكثر، تمامًا كعالَم الحلم بالنسبة إلى النائم الحالم الذي يراه حقيقةً ووجودًا قائمًا – وإنما يكون ذلك كله من إبداع تصوير حواس حلمه؛ أو بأن هذا الوجود الظاهر هو، على حدِّ المثال التوحيدي الفيدنتي الشهير: يرى الإنسان شكلاً متلوِّيًا ومتعرِّجًا في الليل البهيم، فيحسبه حيَّة، فيخشاه وينتفض قليلاً إلى الوراء؛ ثم إنه يُمعِن النظرَ في الشيء، فيدرك – وهو تمام المعرفة – أن هذا الغرض الحسِّي الذي بدا له حيَّةً إنما هو حبل ممدود لا أكثر! ولكن جهله لحقيقة الأمر جعله يتصور الحيَّة في الحبل. فأين هو وهم الحيَّة إلا في خيال الرَّائي عن خطأ؟ وهل للثعبان المتصوَّر من وجود إلا في جهل الناظر إليه: فَألْقَاهَا فَإذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى. [طه 20] فَإذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ من سِحْرِهِمْ أنَّهَا تَسْعَى. [طه 66]هذه الحقيقة الأخيرة للوجود على إطلاقه هي التي يسعى العارفون إلى كشف الغطاء عنها، ليتبيَّنوها من خلال خدعة الحواس ووهم الفكر، فيرقون، فعلاً وواقعًا، "من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة"، على حدِّ قول الإمام أبي حامد. ونكتفي، للمقابلة والمقارنة فقط بهذه النظرة العرفانية إلى الوجود، ولتبيان التقاء وجهتَي النظر في العلم والحكمة على حدٍّ سواء، ما أوردَه العالم الشهير برتراند راسل Bertrand Russel في اختتام أحد الأبحاث: والآن، بفضل جهود عالِمَين ألمانيين في الفيزياء في المقام الأول، هما هايزنبرغ وشرودِنْغِر، فإن البقايا الأخيرة للمفهوم القديم عن الذرة الصلبة قد تبخرت، فأضحت المادة شبحيَّة، شأنها شأن أيِّ شيء في جلسة استحضار للأرواح.[5][5] دنيا الظِّلال: وفي صدد شرح هذه العبارة للحكيم شري رامانا مهارشي: فيما عدا أن حالة اليقظة طويلة وحالة الحلم قصيرة، لا فرق بين الحالتين[6][6][...] يورد أحدُهم هذه العبارة المدهشة للعالم الفيزيائي د. آرثر إدنغتون في كتابه طبيعة العالم الفيزيائي: إن التحقق الصريح من أن علم الفيزياء إنما يُعنى بعالم الظلال هو أحد التقدمات الأكثر دلالة: في عالَم الفيزياء نشاهد عَرْضًا في مسرح خيال الظل لدراما الحياة المألوفة. فظل مرفقي يتكئ على الطاولة الظل، بينما يجري الحبرُ الظل فوق الورق الظل.[7][7] وقديمًا قيل في الآية العرفانية الكريمة: ألم يأنْ لكم أن تنظروا بعين بصيرتكم وتلفظوا خرافَ أبصاركم؟ هذه المعرفة الحقيقية الطبيعية التي تتساقط عند كَشْفِها حُجُبُ الاسم والشكل، وصفَها جلال الدين الرومي – قدَّس الله سرَّه –: تعال، وتعرَّف إلى أن حسَّك وفهمَك وخيالَك هي كالقصبة التي يمتطيها الأولاد. معرفة الإنسان الروحية ترفعه إلى عَلٍ، ومعرفة الإنسان الحسِّية هي عبء عليه. "لقد قال الله: مثلهم "كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا" [الجمعة 5]. ثقيلة هي المعرفة التي لا يوحي هو بها. ولكن إنْ حملتَها لأجل غاية غير أنانية فإن العبء يخفُّ، وستشعر بالفرح. كيف يمكن لك أن تتحرر من دون خمرته؟ – أنت الذي تطمئن بإشارة منه. ما الذي يولد من الصفة والاسم؟ – هو الوهم. ولكن الوهم يرشد إلى طريق الحقيقة. هل تعرف اسمًا من دون حقيقة؟ أو هل قطفت وردةً من الورود؟ لقد لفظتَ اسمًا: اذهب وفتِّشْ عن المسمَّى: القمر في السماء، وليس في الماء. إن شئتَ الارتفاع إلى ما يتعالى عن الاسم والحرف، فلتكن متطهِّرًا تمامًا، وأبصِرْ في قلبك معرفةَ الأنبياء كلَّها، من دون كتاب ولا علم ولا مرشد. العلم الطبيعي اللدنيُّ والتعلُّم: هذا العلم الطبيعي البدهي التنزُّلي – ونقصد به الحكمة والعرفان[8][8] – هذا العلم الطبيعي البدهي اللدنِّي ("العلم الخامس")، نقول، يهدف إلى معرفة جوهر الأشياء، أي حقيقتها؛ أما العلم "العلمي"، أي علم العلماء، علماء المادة والحياة، فلا يستطيع – باعترافهم جميعًا – الكشفَ عن جوهر الأشياء والأغراض وحقيقتها، بل يكتفي بتحليلها ووصف كيفية صدورها بعضها من بعض، كمثل تجزئة الماء إلى عنصرين غازيين هما الأكسجين والهدروجين (وهما شيئان مجهولان في حقيقتهما وجوهرهما، كالماء ذاته)، ثم تجزئة هذين الغازين إلى العناصر النووية والكهربائية التي تتكون منها الغازات (وهي عناصر نجهلها أيضًا ويجهلها العلماء في جوهرها وحقيقتها) – وهكذا إلى ما لا نهاية. فنحن نعلم كيفية الأشياء، ولكن حقيقتها وجوهر كينونتها يبقى سرًّا مغلقًا وطِلَّسْمًا لا تُحَلُّ رموزُه وحرفًا لا يُقرأ. فسعي علم العلماء، على حدِّ تعبير أحد الحكماء العارفين، هو كمن يكثِّر ويعدِّد المجهولاتِ في تجزئة وتقسيم وتحليل المجهول الأول الذي عاينَه العالِم وانطلق منه في القياس والتحليل. وكل معرفة علمية هي، في النهاية، نسبية لأنها لا تتم إلا بالمقارنة. الكيفيَّة والجوهر: أما العالِم العرفاني فهو نقيض ذلك، إذ يقصد تبيان جوهر الشيء. وهذا ما كان يقوله هرمس الهرامسة منذ آلاف السنين، ولا يزال حقيقة العلم الراهن: يا نفسُ، تيقَّني وخذي معرفةَ الأشياء بأنيَّاتها وماهياتها، ولا تحتفلي، يا نفسُ، بمعرفة كيفيَّاتها وقدرها. وهو يعني بعبارة "لا تحتفلي": "لا تفرحي وتبتهجي". فإنما المعرفة الثابتة والحقيقية والصواب هي في معرفة جواهر الأشياء وماهياتها، لا كيفياتها. وتُبايِن الحكمةُ القديمة وتميِّز بين العلم – وهو العرفان – وبين التعلم: واعلمي، يا نفسُ، أنَّ الإنسان لم يُخلَق لمعنًى من المعاني إلا للعلم والعمل به. * * * "غيبيَّات" العلم: عندما نتحدث عن "الغيبيات" التي تتضمَّنها المعتقداتُ الدينية والمسالك العرفانية والصوفية، ونهزأ بالمتعلِّقين بها، أو نتصور، من وجهة سطحيةِ العلم التطبيقي الدارج العادي، بُطلانَها، من دون تمحيص ولا تدقيق ولا إمعان في المعرفة، يغيب عن بالنا أن العلم الحديث المتقدم، في جميع أنحاء العالم المتمدن، قد حطَّ بنا الرحال ونفذ بنا في مسيرته الأخيرة إلى موطن من الرموز والأحاجي يصعب على الفكر تصوُّرُها أو حلُّها، هي أيضًا أقرب إلى الغيبيَّات الدينية من أية نظرة عقلانية عادية إلى الوجود. فهل يستطيع أحدٌ أن يتصور، مثلاً، أن هذا العالم الفسيح اللانهائي، إنْ ضغطناه في الخيال وجرَّدناه من كلِّ فراغ يفصل بين أجزائه وذراته وقُسيماته الأولية، لا يملأ نصف قمع الخياط الذي تستخدمه نساؤنا في أصابعهن لدفع الإبرة في الثوب! أو هل يدرك أحدُنا سرَّ سرعة الضوء، ولماذا هي الحد الأقصى لكلِّ سرعة مادية في الوجود، فلا يتمكن جرمٌ من أن يتجاوزها؟ ولماذا تكون هذه السرعة "ثابتة" constante، لا تتبدل ولا تتغير بالنسبة للذي يقترب من اتجاه انبثاقها ومعين إشعاعها أو يبتعد عنه حتى بسرعة عظيمة أيضًا؟ فتحرُّك الراصد بالنسبة إلى سرعة الضوء سيان في الحالتين. أو هل نستطيع أن نتفهم لماذا تبطئ سرعةُ الضوء عندما تدخل في حاجز من المياه أو الزجاج أو سواه، تبطئ وتنقص وتعتدل وفقًا لنوعية هذا الفاصل، ثم يعود الضوء، من تلقاء ذاته، إلى سرعته السالفة الأصلية بعد مغادرته الحاجزَ الفاصل الذي اخترقه؟ أو هل يمكن لنا أن نتصور أنه لا يوجد في عالم الأشياء المحيط خطٌّ مستقيم واحد خارج عن نطاق تخيُّل فكرنا، وأن شعاع الإبصار، لو قُدِّر له أن يرجع بعد توجُّهه إلى دنيا السُّدُم والمجرات والنجوم في مدى حياة الكائن البشري الناظر به، لآبَ من جديد إلى العين التي انطلق منها؟ أو كيف يكون الكون "محدودًا" وهو في الوقت ذاته "لا نهاية له"، وفق تعبير أينشتاين؟ أو كيف هو منحنٍ كروي الشكل في تكوينه، فيما يُعنى به بـ"انحناء الكون" la courbature de l’univers؟ أو هل نقدر أن نستوضح الأسبابَ لأعراضٍ هي أبسط من ذلك بكثير، كمرض السرطان الذي ينتاب أحيانًا صخر الغرانيت المعروف وينتشر على شاكلة انتشاره في الإنسان والحيوان؟ أو كيف أن بعض الفراش، مثلاً، تعيش ولا تأكل، على غرار بعض الزاهدين القادرين بكرامتهم على ذلك؟ أو أن بعض أنواع النمل، عندما تأوي لتبيض، تفرز ما لا طاقة لها مادية مخزونة فيها لأجل ذلك أو في مقابله من مادةِ أغشيتها وعناصر تكوينها؟ – كأنها تخلق مادةً من غير مادة، أو تحوِّل طاقةً عجيبة فيها إلى البيوض الفائضة عن مادتها. أو كيف ندرك ألف سرٍّ وسرٍّ ينطوي عليه جريانُ الدم فينا وتَحرُّكه وارتفاع حرارته بسرعة هائلة بعد مروره في كبدنا؟ وكيف يسري التيار العصبي، فيحرِّك عضلاتِنا، وكيف تتوالد أنسجتنا، وكيف يصدر العقل من تلافيف دماغنا؟ أو كيف تختزن الذاكرةُ الأشياءَ والحوادثَ الماضية؟ وكيف يبرز حدسُ الأعراض المقبلة علينا من المستقبل المجهول؟ أو ما هو الحاضر في النهاية وما هو المستقبل؟ إلخ، إلخ. ونستطيع هكذا أن نورد عشراتِ الأمثلة العلمية عن أسرار هذا الكون العجيب، مما نعرفه ومما لا نعرفه! وهل نستدرك أن الصفر، مثلاً، هو من اختراع الفكر، وكذلك سائر الأعداد؛ وأن العلم الذي نفرض شبكاتِ معادلاته وتصوراته الهندسية والجبرية والحسابية على عالم الأشياء هو مِنْ إبداع فكرنا، وهو محض نظريةٍ ليس لها في الواقع الحقيقي اتصال وصلة، وأنه افتراض نسبي تقريبي يقترب من تفسير الواقع بالتدرج ولا يعبِّر عنه، مهما دنا به هذا الاختبار، تعبيرًا كاملاً شاملاً. وقد تنوَّعت العلومُ والنظرياتُ الهندسية ذات الأبعاد الأربعة والخمسة والستة، إلى ما لا نهاية، وتعدَّدت، بحيث إن هذه التفسيرات الشرحية والمعادلات لا يستطيع العقل أن يتخايلها أو يتصوَّرها أو يفهمها، بل يرتضي بتلقُّن نتائجها وتسجيل استنباطها ودلالاتها. وفي كلِّ حال، هل يدرك إخواننا، فوق ذلك، أن العلم لا يستطيع أن يكشف عن علَّة الأشياء أو ماهيتها وجوهرها؟ – وإنْ تمكَّن أحيانًا من توضيح كيفية تسلسُل الوقائع وتركيبها. والعلم، في كلِّ ما يذهب إليه من قياس وتحقيق، يرتبط في النهاية بالشخص الناظر إلى الأشياء المدروسة وبتفحُّصها؛ أي أنه خاضع لنسبية ظروف هذا الشخص وموقفه ومنظاره وتكوين فكره؛ أي هو خاضع لمدى المكان والزمان وحيِّزهما. ولذا ندور في حلقة مفرغة في تمحيص علاقة الشخص المدرِك بالغرض المدرَك. أو هل يستوعب أحدٌ من المتهجِّمين على الغيبيَّات قولَ العالِم السير جيمس جينز Sir James Jeans حول ماهية الزمان والمكان؟ لا مكان دون زمان؛ وكلاهما مفهومان ذهنيان نسبيان من مفاهيم فكرنا لا أكثر، لا وجود لهما خارج نطاق هذا الفكر وفعل إدراكه (وكانت مسالك الحكمة والعرفان قد توصلت إلى القرار ذاته منذ آلاف السنين، قبل أن يولد العلم الفيزيائي المعاصر): لقد وجدنا أن المكان لا يعني شيئًا في معزل عن إدراكاتنا للأغراض، وأن الزمن لا يعني شيئًا في معزل عن اختباراتنا للأحداث. المكان أخذ يبدو كوهم تخلقه أذهانُنا، كاستطالة غير شرعية في الطبيعة لتصوُّر ذاتيٍّ يساعدنا على فهم ترتيبات الأغراض التي نراها ووصفها؛ بينما يبدو الزمن كوهم آخر يخدم هدفًا مشابهًا من أجل ترتيبات الأحداث التي تحدث لنا.[9][9](الخلفية الجديدة للعلم) ثم كيف ندرك أن قاعدة "الحتمية" Determinism لم تعد صحيحة إلا في الظاهر الكثيف العادي، وأنها تبخرت من حقل المعادلات العلمية و"التصرفات" التي تبديها الذرات وقُسَيمات المادة – حتى ليخيل إلينا، على حدِّ تعبير العلامة تِلار دُه شاردان Teilhard de Chardin، أن لهذه القُسَيمات عقلاً، وأن لها حدسًا كحدس عقلنا تمامًا، لا بل تُظهِر بأنها أقدر منا على حدس مسيرتها! وهل يفطن أحدنا إلى أنه، حتى على المستوى الكثيف المنظور ذاته، لا يمكن للاختبار الكيميائي بين مادتين معينتين أن يتكرر تمامًا وتوافقًا كاملاً في الزمن. فما من حادث فيزيائي أو كيميائي يتكرر هو ذاته تمامًا في مساحات الدنيا الواسعة وفي أعماق حُبيبات الأثير (راجع اختبارات بعض العلماء). ونحن هنا أبعد ما نكون عن التاريخ وعن المؤرِّخين! عند حدود الفكر وارتطامه بصخور النسبية وعقبات الكيفية والأينية ودخوله في مدارات انغلاق العلاقة بين الشخص المدرِك والغرض المدرَك، ينطلق العرفان ليكمل معرفة الأشياء ويكشف عن حقائقها وماهياتها وجواهرها، بأداة مستكشِفة أخرى، أرفع وأرقى وأقرب إلى استيعاب اللطيف الباطن، مكوِّنها، هي العقل الكلِّي أو الأرفع. ولا نرى أفضل من هذه الأبيات للزمخشري عِبرةً وإشارةً إلى محدودية واقع العلم واستنباطه في تسربل بعض الأفكار المثقفة به والتباسه عليها، في محاولتها العقيمة المحال أن تدرك بالعلم الماديِّ القائم حقيقةَ الأشياء وجوهرَ الوجود، فيرتد إليها الإدراكُ الفكري العلمي عاجزًا كليلاً: قلْ لِـمَـنْ يَفهـمُ عنِّـي ما أقـولُ اترُكِ البحـثَ فذا شـرْحٌ يَطُـول أنــتَ لا تَـعـرفُ إيَّـــاكَ وَلا تدري مَن أنتَ ولا كيف الوُصُـول لا وَلا تَـدري صـفـاتٍ رُكِّـبَـتْ فيكَ حـارَتْ في خفاياها العُقـول أنـتَ أكـل الخـبـزِ لا تَعـرفُـهُ كيف يجري فيـكَ أم كيفَ تَبُـول فـإذا كـانـتْ طَـوايـاكَ الَّـتـي بينَ جَـنبَـيكَ بها أنـتَ جَهُـول كيفَ تدري مَن على العَرْش اسـتوَى لا تقلْ كيفَ استوَى كيف الوُصُول فـهـوَ لا كـيـفَ وَلا أيـنَ لَـهُ هـو ربُّ الكيفِ والكيفُ يَحُـول * * * هذه الرموز والغيبيَّات التي تتفتَّح عليها نوافذُ العلم المتقدم في متاهة أغوار المادة وفي لانهاية الكون، دفعت بعضَ كبار علماء المادة والحياة في الغرب إلى دراسة مسالك العرفان القديمة في الهند والصين واليونان ومصر وسواها، لكي يتبيَّنوا منها الحقائقَ والنظرياتِ التي توصَّل إليها مجهرُ العقل في ثبات تقصِّيه لحقيقة جوهر الروح، وهل تختلف هذه الحقيقة عن حقيقة جوهر العالم الظاهر المحيط. فعكف، مثلاً، أحدُهم – روبرت أوپنهَيمر Robert Oppenheimer – على تصفُّح كتب العرفان القديمة وتعلُّم اللغة السنسكريتية لكي يتمكن من العودة إلى الأصل الهندي ومن إمعان النظر في الغيبيَّات والإشارات والرموز والحقائق التي تُبرِزها مسالكُ الحكمة عبر العصور. عودة الدائرة إلى نقطة الفرجار: وبعد، أيصح لنا، فيما تلقَّنَّاه من "ألف باء" الأشياء، أن نظل ننظر إلى العلم بمنظار مدرِكيه في نهاية القرن الثامن عشر أو بدايات القرن التاسع عشر في أوروبا؟ أوَلا ينبغي علينا، نحن أيضًا، إن كنَّا جادِّين مخلصين في تتبُّع الكشف عن حقيقة الأشياء وحقيقة ذواتنا وحقيقة عقلنا – هذه الأداة التي بها نستجلي غوامض التكوين – أن نسعى، على الأقل وعلى قدر كفاءة علمنا وقدرة فكرنا، إلى التوغل قليلاً، على خطى أقدام طليعة المتوغِّلين، فنرى الأشياءَ والأغراضَ كما يجب أن نراها، لا من خلال علوم القرن الماضي المتأخر. وإذ ذاك، يبرز لنا العرفان – بعد أن تقصَّيناه واستكشفناه من خلال مسالك الحكمة الأخيرة ومصادرها – قيمةً ثمينةً وكسبًا عقليًّا ممتعًا في ضوء اختبارات العلم الحديث ونظرياته، بحيث يساعدنا العلمُ الحديث على استيعاب مقرَّرات هذا العرفان ذاته ونتائجه. وبذا أيضًا "تعود الدائرة إلى نقطة الفرجار". وهذا التعبير المعروف إنْ هو إلا تصوير سابق لنظرية علمية حديثة جدًّا تفسِّر انبثاق الكون من الذرة الأساسية الأولى، المتكوِّنة من قُسَيمات جميع الذرات المتفككة والمتداخلة بعضها ببعض كنقطة لا ثخانة لها ولا طول ولا عرض. ويتم هذا الانبثاق والتكوين كانفجار القنبلة في جميع الاتجاهات؛ ثم بعد انقضاء دورة زمن الكون، يعود هذا العالم فيتقلَّص تدريجيًّا وينطوي في النقطة النووية الأصلية – وهكذا إلى ما لا نهاية. هذا قليل من كثير نورده للإشارة والدلالة فقط على مدى توافق النهجين – نهج العلم ونهج العرفان – في سعيهما إلى الكشف عن أسرار وجودنا الذي لا ينفصل عنه وجودُ الكون ذاته. وإنما نحن، وما نتضمَّنه من عقل وحياة، طاقةٌ مترفعة لهذا الوجود ذاته. وهذه الغيبيَّات والرموز والإشارات الخفية التي يتكشَّف عنها العلمُ الحديث إنْ هي إلا ألوان أخرى من دوافع التسبيح ترتفع بنا إلى سدرة المنتهَى، في كلِّ ما ينطلق فيه عقلنا في تلك التأملات والتعقلات، كما حدث للعالم روبرت أوپنهَيمر ذاته، رئيس لجنة الطاقة الذرية وصانع أولى القنابل النووية، يوم أشرف على تفجيرها في صحراء نيفادا، فاستولت عليه دهشةُ الإبداع وهو ينظر إلى الشمس الاصطناعية الهائلة والكاسحة أنوارها للعيون تنطلق من عقالها، ففطن إلى نفسه، فإذا به يرتِّل آيةَ الحكيم كرشنا في نشيد المولى [الـبهگفدگيتا] الشهير: إن سطوع ألف شمس طالعة في الفضاء الرحب لا يضاهي تألُّق هذا الكائن القدير. * * * ديمومة العرفان واستبطانه في جميع المعتقدات: على مشارف هذه المواجهة، ومن رفعة استطلاعها وعلوِّ كشفها، يتيسَّر لنا أن ندرك وأن نتتبَّع ديمومة العرفان واستمراره الباطني الظاهر خلال جميع المعتقدات والأديان، منذ أن ولد الإنسان على وجه الأرض وتوفَّرت له المشاهدةُ العيانية، بعين البصيرة، لما لا تدركه الأبصار ولكنه "الذي يدرك الإبصار في الأبصار": منذ مصر القديمة التي عمرت في الألف الثالث قبل المسيح بأمثال إمحوتپ Imhotep – عليه السلام – أو "ذي امحت به"، كما ورد اسمُه في بعض المخطوطات العربية، الذي بنى أول هرم مدرَّج من الحجر في مدينة هليوپوليس Héliopolis("مدينة الشمس") في سقَّارة على مقربة من القاهرة الحديثة، والذي شاد الهيكل الرائع، المدهش فنًّا وعمارة، الذي قصده أفلاطون – عليه السلام – وعاش فيه عدة سنوات؛ وقد أطلق اليونان، فيما بعد، على إمحوتپ لقب "هرمس المثلث بالحِكَم"، وهو ذاته إدريس القرآن – عليه السلام –؛ إلى فتاحوتپ Ptahotep وأمنحوتپ بن حاپو Amenhotep Son of Hapo وسواهم عديدين؛ إلى فيثاغوراس Pythagoras الذي زار مصر وعاش أيضًا في هياكلها سنين طويلة؛ إلى سقراط وأفلاطون وأرسطو وديموقريطس وپرمنيدس ويمبليخوس وأفلوطين – على جميعهم السلام –؛ مرورًا بجبريل النصرانية ويسوع بن مريم (وقد أخذنا نستوضح وجه الأول من خلال اكتشافات كهوف قمران Afoksha على البحر الميت)، وعبورًا بجبرائيل المحمدية وسلمان الفارسي (وفي الحالتين، كان جبرائيل أي الوحي أو العقل الأرفع – صلوات المهيمن عليه –)؛ ثم توقفًا عند بعض الصحابة والصفوة المتحقِّقين الأبرار من الحكماء والعارفين الصوفية المسلمين – ولا تصوف عرفانيًّا دون رضًا وإسلام وتسليم –؛ إلى أن تأذن ألواح المقادير مجددًا وتبزغ شمس سلمان آخر رائع عجيب – ونعني به حمزة بن علي – سلام الله عليه –؛ وهو، دون ريب، سيد من أسياد المسلك الحِكَمي التالد والطريف، ومن أغزر الشخصيات الفكرية والتنظيمية القيادية والروحية التي تبرز لنا في منعطفات التاريخ وأخطرها. ولما كنَّا نقرأ له في بعض المخطوطات التي عُثِرَ عليها أخيرًا، كنا نشعر كأن كوَّة منيرةً هائلة قد فُتِحَتْ لنا في مجال معرفة المجهول من الأحقاب المنصرمة، وأننا نسمع زخم نداء الأجيال يتنزَّل علينا، فنصغي، في ذهول التسبيح وانشراح العقل وسكون القلب، إلى ما يبدو لنا صوت هرمس ذاته وأئمة العرفان في مصر القديمة، وإلى تعاليم فيثاغوراس وسقراط وأفلاطون وبعض حكماء إيران والهند السعيدة وسواهم – عليهم السلام – في أطهر وأصفى وأسلم جدول متصل ينقله إلينا، كمن ينصت إلى إذاعة أسرار القرون المطوية الأولى في تضخُّم الصدى المتبقِّي منها في بطون الأثير وتكثُّفه. ولعله اختبارٌ يفيد منه العاكفون على دراسة حكمة اليونان ومصر القديمة والنصرانية والإسلام وسواها من المعتقدات الشرقية. ومن أغرب ما عثرنا عليه في هذه المخطوطات صلة هذا المسلك التوحيدي بحكماء الهند والسند. وكنَّا نعتقد – ولا نزال – أن الحكمة واحدة في كل مثوى وزمان، لا تتجزأ ولا تختلف في الجوهر، نظرًا لوحدة الحقيقة ووحدة الكشف عنها ووحدة الروح والعقل البشري. وكنا نعلم ارتباط الموحِّدين بحكماء الهند وتقديرهم إيَّاهم وتنويههم ببعض هذه الوجوه المباركة السالفة المفعمة بالنزلة والتجلِّي الأول العليِّ في بعض أنحاء الهند. وكنَّا تتبَّعنا خاصةً قصةَ كتاب بلوهر الحكيم، المنتشر بين الموحِّدين، وهو من كتب وعظهم؛ وإنما هو رواية لسيرة البوذا السعيد بعد تحريف الاسم، كما أوضح ذلك أحد العلماء المحقِّقين في التسلسل التاريخي (وهذا الكتاب معروف في بلاد الهند أيضًا). ولكن أسماء مثل "هاري" و"شيفا" و"برهمن" و"أرهة كرما"[10][10] ما كانت لتَرِدَ في صُحُفهم المعروفة. وإذا بالموحدين (الدروز) على حقٍّ فيما يعتقدون من أنهم، في هذه الديار، يمثلون هذا الوجه الباطن الظاهر للحكمة الإنسانية الشاملة. ومن هذا المرتقى والكشف التاريخي، تبيَّن لنا وجهُ هذا الكائن العجيب الذي لم يبلغ سنُّه السادسة والثلاثين من حياته الظاهرة، وفق بعض المصادر التاريخية، عندما احتجب (أو "غاب"، وفق تعبير الموحِّدين)، وكان لا يزيد عمره على السيد الناصري إلا ثلاث سنوات، وكان انعكاسًا رائعًا أخَّاذًا لتلك الحكمة التاريخية الألوفية ومظهرًا من مظاهر تجلِّيها ونزلتها الكبرى. ولا نبالغ إن قلنا إنه يبدو، من خلال ذلك، بأنه طود لا ترقى إليه قممُ الأبصار. وهو يُكنَّى في الصحف بـ"الحاكم الحكيم" – تقدَّس نورُ علمه –؛ وهي التعبيرات ذاتها التي كانت – ولا تزال – تَرِدُ على لسان العارفين، من قبلُ ومن بعد. ولا يقدِّر أحد خطورةَ هذا الاستكشاف لوجه تغلُّفه بالسر أجيالاً، إلا إذا قرأ بأيِّ وَجْد سحيق، وبأيِّ عشق روحيٍّ متفانٍ، وبأيِّ جلال ودلال وإشراق متضوِّع ومحبة جاذبة ساحرة، يتوجَّه إليه حمزة بن علي – صلوات المهيمن عليه. وتتوضح صلةُ حمزة بالحاكم الحكيم – تقدَّس نورُ علمه – واتصالُه الوثيق به، وأخذُه عنه مبادئ الدعوة التوحيدية، فتسقط كل دعوى وادِّعاء يحاولان الفصل والتمييز بين هذا وذاك. ثم يبدو لنا كأن الأقنعة الحاجبة التاريخية تتمزق أمام عيوننا فجأةً، فنرى الأشياء في اتصالها التاريخي منذ أقدم العصور، وفي صلتها العرفانية وتسلسُلها الذهبي الروحي ووجهها الحِكَمي المستتر الملازم، كما في واقع روعة تجلِّيها وتشخُّصها. وتبدو، في ذلك كلِّه، مذاهب الحكمة السرَّانية في مصر القديمة بأنها مصدر جميع المسالك الروحية والدينية التوحيدية في هذا القسم من العالم المعروف القديم؛ ويتبيَّن أن ما ذهب إليه بعض المؤرخين في تأييد ذلك هو حقيقة لا تُستبعَد ولا تُنكَر. ويبدو، في ذلك كلِّه، أن تعاليم إمحوتپ، الملقب بـ"هرمس الهرامسة"، بما أوضحتْه من مفاهيم الإشراق والنور والتوحيد والعقل والموت والأزل، ثورةٌ روحية في تاريخ العهود القديمة، منها استُقتْ جميعُ المعتقدات فيما بعد. ما قصَّر عنه باعُ فهمنا: لا تزال هنالك، طبعًا، أشياء غامضة واستفهامات طويلة وزوايا محتجبة وتساؤلات أساسية، نعترف بأننا لم نستطع، حتى الساعة، إدراكَها والردَّ عليها وفهمَ سبب قيامها في دراستنا لمسلك الدرزية التوحيدي. نذكر، على سبيل المثال، إقفال باب الدعوة، والموقف، الباطن والظاهر، من بعض الشرائع المكرَّمة من قبل الموحِّدين، ولكن على غير وجه وضعها الزمني في ذلك، وقضية عودة الانبثاق إلى جوهر مصدره، أي مشكلة التحرُّر الكامل أو الجزئي للإنسان، وقضية مَنْح الحقيقة، أي الكشف الذي لا يتم في عِرفنا إلا من طريق حكيم متحقِّق حيٍّ لمريد جادٍّ ومخلص – وقد يكمن في ذلك سببُ إغلاق باب الدعوة وسواها من القضايا. فلعلَّنا نهتدي في مقبل الأيام إلى تفهُّم أوسع وإلى حلول عقلانية ترضى عنها معرفتُنا. وفي كلِّ حال، لا نجادل أصحابَ التوحيد الدرزي فيما هم عليه، ولا نناقضهم فيما هم يعتبرون، حرمةً لهم، وصيانةً لصفاء تطلُّعهم، وحفاظًا على كلِّية إيمانهم ورفعة شوقهم، وخشية أن نرمي الشك والحذر في غير موضعه، دون مبرر وفي غير مجال الصواب. وما ضرَّ "أبناء الكعبة المباركة" – وهي في تأويلهم "الإمام"، أي العقل الأرفع – إنْ هم، في تطلُّعهم إلى مشرق الشمس، على شاكلة المتعبِّدين في هياكل هرمس وفي مدينة هليوپوليس القديمة، لم يتبينوا من "الغزالة"، في وهج الإشراق الكاسح للأنظار، سوى بعض أشكالها المحدودة المتجلِّية الظاهرة. ونحن، في ذلك كلِّه، نهتدي بتقصير نفوسنا عن اللحاق بالمجال البعيد. وإنما الثابت أن الأصل واحد، حيثما وُجِدَ، كنقطة الفرجار في مدار تخطيط الدائرة التامة. فرحم الله مَن قال: تفكَّرتُ في الأديـان جدًّا محقِّقًا فألفيتُها أصلاً له شعبٌ جَمَّـا فلا تطلُـبَنْ للمَـرْء دِينًـا فإنَّه يصدُّ عنِ الوَصلِ الوَثيقِ وإنَّما يُطـالبُـهُ أصـلٌ يعبِّـرُ عندَهُ جميع المَعالي والمَعاني فيَفهَمَا يا بنيَّ، الأديان كلها لله – عزَّ وجلَّ – شَغَلَ بكلِّ دين طائفةً، لا اختيارًا فيهم بل اختيارًا عليهم. فمَن لامَ أحدًا ببطلان ما هو عليه فقد حَكَمَ أنَّه اختار ذلك لنفسه – وهذا مذهب القدرية، و"القدرية مجوس هذه الأمَّة". واعلم أن اليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسامٍ متغايرة، والمقصود منها لا يتغيَّر ولا يختلف.[11][11] سلسلة الحكماء الذهبيَّة: ولكم كنا نود أن يكون الصديق الكبير، المرحوم الدكتور روجيه غودِل، الأخ المبارك في نعمة التوجُّه والتسليم إلى المعلِّم الحكيم، حاضرًا قائمًا بيننا اليوم – وهو الذي كان يحاول ويجهد، من خلال أبحاثه ودراساته المتعمِّقة المقارنة، أن يعثر على الصلة الخفية، على هذه "السلسلة الذهبية" من الحكماء التي تربط بين حكمة اليونان، القريبة منَّا في الزمن نسبيًّا، وبين حكمة المسالك السرَّانية في مصر الفرعونية وحكمة الهند الخالدة، التي لا تزال تتجلَّى في أروع تحقُّقاتها حتى أيامنا – هذه الحكمة التي كانت له ولنا نعمةُ التعرُّف إليها والاستيطان في بعض أبراجها. حقيقة الحكيم: وإنني لا أجد، لتقريب الفهم وتمثيل الإدراك والاقتراب في التشبيه والدلالة ما أمكن من وصف حقيقة الحكيم والمتحقِّق العارف، أفضل وأصْوَب من هذا الإعلان والتوضيح الذي جاد به أحدُ كبار حكماء الهند، شري آتمانندا – تقدَّس في إشراق ذاته ونور بهائه – فيما قاله عن الحكيم شري شنكرا Sri Sankara وما نَسَبَ إليه من عجائب وكرامات وانتقالات جسدية: إن وهم الجسم فيكم هو تمامًا كوهم الحية في الحبل. إن العارف قد رأى حقيَّته بوصفها الحقيقة، تمامًا كما يُكتشَف، في وضح النور، أن الحية ليست إلا الحبل فقط. بعد ذلك، يكون من الحُمق أن نتوقع منه أن يقتل تلك الحية الموهومة وأن يدبغ جلدها ليصنع منه حقيبة جميلة! وأقل من هذا بكثير لكم أن تتخيلوا حكيمًا يتنازل لكي يصنع عجائب بواسطة جسم لم يملكه قط، ولا يملكه الآن حتى، ولم يكن موجودًا قط. هو الوهم وحده الذي يجب أن يفارقكم، وليس أغراضه – الحية أو الجسم. وعندما يتم التعالي عن ذلك الوهم، كما في حالة العارف، لن تظهر أيةُ مشكلة تتعلَّق بتدبُّر هذه الأغراض، لأنكم، باستعلائكم عن الوهم، يتبيَّن لكم أن الأغراض لم توجد قط. لذلك كان جسم شري شنكرا من إيجاد مخيلة الناظرين إليه وحسب، وهم وحدهم كانوا مسئولين عن التصرف الأخير به. كان باستطاعتهم، بكلِّ يسر، أن يخطِّطوا للتصرف بهذا الجسم الذي سمَّوه جسم شري شنكرا بأية طريقة تحلو لهم، إلى أقصى ما تتفتَّق عنه حيلتُهم. لكن جميع هذه القصص ما كانت لتستطيع أبدًا أن تؤثِّر في الحكيم شنكرا، بما أنه كان الحقيقة ذاتها وكان يعدم أيَّ جسم أصلاً. هكذا نرى أن أيَّ كلام على نشاطات الحكيم الظاهرة، من زاوية نظر دنيوية أو نسبية بحتة، على كونها قد تستدعي أعظم الإعجاب، غالبًا ما يكون من قبيل الضلال والانتحار حتى. لذا فمن الحكمة دومًا أن نترك العارفَ وشأنه فيما يتعدى كلَّ شرح، إلى أن يصبح في مكنة المرء أن يعرفه كما هو. ولكي يعرف العارف، على المرء أن يصبح ذاته عارفًا، وبهذا يصبحان كلاهما واحدًا. إذ ذاك، فإن جميع الشروح تبطل، والحقيقة وحدها تسطع في مجد ذاتها. وفي الواقع، لا يوجد عارفان اثنان، بل عارف واحد فقط؛ وبدقة أكبر، لا توجد إلا المعرفة أو الحقيقة ذاتها وحسب. من هذا المستوى، نرى أن كلَّ مَن يتجرأ أن ينظر إلى الحكيم نظرةً موضوعية نوعًا ما يقف على صعيد الذهن، الذي هو مجرد وهم من منظور الحكيم. إذن لا تطرحوا أبدًا أسئلةً عن الكيفية التي عاش بها حكيمٌ بعينه ولا عن كيفية موته؛ فهذا شأن للتاريخ وحسب، ولا علاقة له بالفيدنتا [اللاثنوية] ولا بالحكيم. إن رواية سيرة حياة حكيم روايةً حقيقيةً أمر متعذر. المؤرخون يسجلون فقط سيرة الجسم الذي يرونه. لكن الحكيم هو المبدأ الذي لا يتغير فيما وراء جميع الأجسام، وهو، بوصفه كذلك، يتعالى عن التاريخ كلِّه.[12][12](المحاضرات الروحية، ص 76-77) ولعل في ذلك شرحًا أو محاولةَ تفسيرٍ لما يذهب إليه الموحِّدون من تنزيه وتجريد وتوحيد. * * * توافُق الدين والعرفان وتلازُمهما: ونرى لزامًا علينا، في نهاية هذه الكلمة، أن نوضح تثبُّتنا ويقيننا، الأقوى فالأقوى، من أن الدين والعرفان الذي يبطِّنه ويتضمَّنه هذا الدين في طُرُق الموحدين ومسالك الحكماء والعارفين يتوافقان ويتكاملان دائمًا وأبدًا في جميع الأمكنة وعِبْرَ العصور، إذ هما ينهلان من معين الوحي ذاته؛ أو قُلْ إن الدين وجه منعكس، في معتقد العامة وفي الشريعة، من ذاك العرفان الأصيل، على قدر ما تستوعبه توجُّهات العقول وبصائر القلوب. ولا يتم في الظاهر عرفانٌ إلا بالاستناد إلى محتوى كتب الشريعة، الظاهر والباطن منها، وفي الحفاظ على سُنَنِها وفروضها وتكاليفها المعنوية، حتى الظاهرة منها – لكي يتوافق نهجُ التصرف والتفكير والعاطفة مع واقع الصدق الداخلي – ولا توحيد من دون الصدق. وحتى التكاليف الجسمانية الظاهرة تصح ممارستها، ويجب معنويًّا ذلك، لكي لا يكون الإنسانُ في ذلك على الأقل موضع اتهام أو شبهة أو مثلاً سيئًا للآخرين، مؤمنين وغير مؤمنين. والويل ثم الويل للدين أو الشريعة الذي ينفصل عن عرفانه في نهج تحقُّق أوليائه وتطهُّرهم، لأنه يصبح حرفًا ميتًا بلا روح، وآيةً جامدة بلا حياة، وطقسًا بلا معنى، وصلاةً بلا قِبْلة. ولا تتضوَّع الشريعة ولا يفوح عبقُ الدين بعرار أزهاره المتكاملة في أمسيات دروب العناية إلا إذا انطلق من صميمه العرفانُ ليحقِّق، اعتبارًا من هذه الأرض ومن انطلاق دفء العيش فيها، الكشفَ الجوهري والشهود العياني الكياني الأخير، حيث تتلاقى الألفُ بيائها ويعود القصدُ إلى القاصد والنظرةُ إلى الناظر إليه. فسبحان مَن جعل الرسل والأنبياء موضعَ سرِّه، ومقامَ استتار أمانته، وأداةَ نشر هدايته، وأئمةَ تنظيم شؤون جماعته، والقيِّمين بالقسط فيما بينهم على تتميم السنَّة الملائمة الفاضلة، وتنفيذ مضامين الشريعة وما تعلو به من صدق وأخوَّة ومشاركة وطهر ورحمة واستقامة وأمانة، وجَعَلَ المتحقِّقين الحكماء سُرُجًا منيرةً في سماء ظلمة الفكر وجهل كثافة الجسد ومتاهة حُجُب الحواس، بحيث نشهد، من خلال شفافية كثافتهم وضياء وجوههم وبهاء تصرُّفهم ونورانية كشفهم، الحقيقةَ الأزلية التي تقطن في عين أعماق أفئدتنا، من حيث تتنزَّل نفخةُ الحياة، فنراهم ببصيرتنا العقلية وببصائرنا الشحمية، من الداخل ومن الخارج في آنٍ واحد، وعلى التمام، كَمَنْ ينظر إلى عمود نور ونار متوهج، أو كمن يرى ذاته الجوهرية – بعد "فناء فناء" ذاته الظاهرة الفردية – في مرآة كينونة ذاته وفي نعيم وجدانه: "فأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ" [البقرة 115]. وسلام على صفوة المرسلين – وكل رسالة تمَّمتْ ما جاءت به التي سبقتْها – الذي جعل هذا النهر العامر بالإشراق والحكمة والعرفان يقوم في حِمى إسلامه، وكأنهم كواكب منيرة تسبح في أفلاك سماء مقادير الروح. وقد يجيبنا صاحب الرسالة – صلى الله عليه وسلم – إنما العجب والدهش أن لا يلبِّي أبناؤنا نداءَ هذه الألوف المؤلَّفة من كبار الحكماء والعارفين والزهَّاد والأولياء والمتحقِّقين الذين زخرت بهم الأجيالُ السالفة، فيرفعوا من جديد سُرُج المعرفة الحقيقية ومنارات الفضيلة واليقين في عالم غَزَتْه المادة وكادت أن تُهلِكه وتُفنيه من الداخل، قبل أن تتقوَّض أركانُه الكثيفة، فتنهار بعد غيبة هيكلها اللطيف عنها. وإنما حقيقة الوجود أنْ لا وجود لغير الموجود حقًّا! ولا نجد لاختتام هذه اللمحة – ونحن إنما نملأ كوبًا صغيرًا من شراب راح العارفين ونغرف إبريقًا من نهر شهودهم وفيض فرحهم – أروع من هذه الآية، عرفانية وقرآنية على التوالي: إن مولاكم جعل لكلٍّ سبيلاً إليه، في نفسه ومن نفسه. ولذلك اختلفت عقيدةُ كلِّ نفس كما اختلفت الأهواءُ والأرباب – وعين حقيقتها هي الصور للمعبود الواحد في مرآته. ولكن مولاكم الحكيم قد نزَّهكم عن تعدُّد تلك الصور في توحيد ذاته، وجعلكم أمَّةً واحدة، ولذلك أبدعكم. فسيروا ولا تتفرَّقوا شيعًا وأنتم تنظرون، يا أيها الذين وحَّدوا ذواتهم في أنفاسهم. اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم. [النور 35] قدَس الله سرَّ مولانا جلال الدين الرومي في مناجاته للمطلق، نردِّدها مؤمنين موحِّدين – وإنما التحقُّق إشرافٌ دائم على الرضا والتسليم: نحن ووجودنا عدم: أنت هو المطلق المتجلِّي في صفة الفناء. هذا الذي يحرِّكنا هو عطاؤك: وجودنا هو مِن خَلْقِك. أنت الذي أظهرتَ جمالَ وجودك في العدم، بعد أن سببتَ بأن يقع [هذا العدم] في عشق ذاتك. لا تجرِّدْنا من نعيم رحمتك، لا تسلبْنا فاكهتَك وخمرَك وكأسَ خمرك. ولكن إنْ أخذتَها فمَن ذا الذي يسألك؟ وهل الصورة تعترض على المصوِّر؟! لا تنظر إلينا، بل انظر إلى عطفك المحبِّ وإلى كرمك. لم نكن، ولم يكن مطلب منَّا؛ ولكن نعمتك سمعتْ صلاتَنا الصامتة، فنادتْنا إلى الوجود. وبهذا يتم معراجنا في تخيُّل شهود العارفين، ويتوضح وصفُ الآية: إنَّهم أهلُ التحقيق، رجالُ الأعراف، شهداءُ الدين، سادةُ الأمم. وكيف لا يكون ذلك و"الله قِبْلة الدنيا، والنيَّة قِبْلة القلب" (سهل التُّسْتَري)! المختارة، في 6 تشرين الثاني 1965 *** *** *** j7j7 |
أجـمـل الـحـكـم
بسم الله الرحمن الرحيم ملك لسنة واحدة فقط منذ زمن طويل كانت هناك مدينة يحكمها ملك وكان أهل هذه المدينة يختارون الملك بحيث يحكم فيهم سنة واحدة فقط وبعد ذلك يرسل الملك إلى جزيرة بعيدة حيث يكمل فيها بقية عمره ويختار الناس ملك آخر غيره وهكذا أنهى أحد الملوك فترة الحكم الخاصة به وألبسه الناس الملابس الغالية وأركبوه فيلا كبيراً وأخذوا يطوفون به في أنحاء المدينة قائلين له وداعاً وكانت هذه اللحظة من أصعب لحظات الحزن والألم على الملك وجميع من كان قبله ثم بعد ذلك وضعوه في السفينة التي قامت بنقله إلى الجزيرة البعيدة حيث يكمل فيها بقية عمره ورجعت السفينة إلى المدينة وفي طريق العودة اكتشفوا إحدى السفن التي غرقت منذ وقت قريب ورأوا شاباً متعلق بقطعة من الخشب عائمة على الماء فأنقذوه وأخذوه إلى بلدتهم وطلبوا منه أن يكون ملكاً عليهم لمدة سنة واحدة ولكنه رفض في البداية ثم وافق بعد ذلك وأخبره الناس على التعليمات التي تسود هذه المدينة وأنه بعد مرور 12 شهراً سوف يحمل إلى تلك الجزيرة التي تركوا فيها ذاك الملك الأخير بعد ثلاث أيام من تولي الشاب للعرش في هذه المدينة سأل الوزراء هل يمكن أن يرى هذه الجزيرة حيث أرسل إليها جميع الملوك السابقين ووافق الوزراء وأخذوه إلى الجزيرة ورآها وقد غطت بالغابات الكثيفة وسمع صوت الحيوانات الشريرة وهي تنطلق في أنحاء الجزيرة نزل الملك إلى الجزيرة وهناك وجد جثث الملوك السابقين ملقاة على الأرض وفهم الملك القصة بأنه مالبث أن ترك الملوك السابقون في الجزيرة أتت إليه الحيوانات المتوحشة وسارعت بقتلهم والتهامهم عندئذ عاد الملك إلى مدينته وجمع 100 عامل أقوياء وأخذهم إلى الجزيرة وأمرهم بتنظيف الغابة وإزالة جثث الحيوانات والملوك السابقين وإزالة قطع الأشجار الصغيرة وكان يزور الجزيرة مرة في الشهر ليطل على سير العمل وكان العمل يتقدم بخطوات سريعة فبعد مرور شهر واحد أزيلت الحيوانات والعديد من الأشجار الكثيفة وعند مرورالشهر الثاني كانت الجزيرة قد أصبحت نظيفة تماماً. ثم أمر الملك العمال بزرع الحدائق في جميع أنحاء الجزيرة وقام بتربية بعض الحيوانات المفيدة مثل الدجاج والبط والماعز والبقر ... الخ ومع بداية الشهر الثالث أمر العمال ببناء بيت كبير ومرسى للسفن وبمرور الوقت تحولت الجزيرة إلى مكان جميل وقد كان الملك ذكياً فكان يلبس الملابس البسيطة وينفق القليل على حياته في المدينة في مقابل أنه كان يكرس أمواله التي وهبت له في إعمار هذه الجزيرة وبعد مرور 9 أشهر جمع الملك الوزراء قائلاً أنه يعلم أن الذهاب للجزيرة يتم بعد مرور 12 شهر من بداية حكمه. ولكنه يود الذهاب إلى الجزيرة الآن ولكن الوزراء رفضوا قائلين حسب التعليمات لابد أن تنتظر 3 شهور أخرى ثم بعد ذلك تذهب للجزيرة مرت الثلاثة شهور واكتملت السنة وجاء دور الملك ليتنقل إلى الجزيرة ألبسه الناس الثياب الفاخرة ووضعوه على الفيل الكبير قائلين له وداعاً أيها الملك. ولكن الملك على غيرعادة الملوك السابقين كان يضحك ويبتسم وسأله الناس عن ذلك فأجاب بأن الحكماء يقولون: ' عندما تولد طفلاً في هذه الدنيا تبكي بينما جميع من حولك يضحكون فعش في هذه الدنيا واعمل ما تراه حتى يأتيك الموت وعندئذ تضحك بينما جميع من حولك يبكون فبينما الملوك السابقين كانوا منشغلين بمتعة أنفسهم أثناء فترة الملك والحكم كنت أنا مشغولاً بالتفكير في المستقبل وخططت لذلك وقمت بإصلاح وتعمير الجزيرة وأصبحت جنة صغيرة يمكن أن أعيش فيها بقية حياتي بسلام والدرس المأخوذ من هذه القصة الرمزية أن هذه الحياة الدنيا هي مزرعة للآخرة ويجب علينا ألا نغمس أنفسنا في شهوات الدنيا عازفين عن الآخرة حتى ولو كنا ملوك . فيجب علينا أن نعيش حياة بسيطة مثل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. وأخيراً إذا أعجبك الموضوع فلا تقل شكـراً رحم الله من نقلها عني وجعلها بميزان حسناتكم وقال اللهم اغفر له ولوالديه ما تقدم من ذنبهم وما تأخر وقِهم عذاب القبر وعذاب النار و أدخلهم الفردوس الأعلى كما أرجو منكم ألا تنسونا من صالح دعائكم |
راح قلك شكرا و جزيلا على الموضوع المميز وانشالله كل شخص يبني للمستقبل ويفكر بعواقب الافعال
|
شكرا
سألت حكيماً قلت :"ما هو أكثر شيء مدهش في البشر؟ " فأجابني :"البشر! يملّون من الطفولة ، يسارعون ليكبروا ، ثم يتوقون ليعودوا أطفالاً ثانيةً" " يضيّعون صحتهم ليجمعوا المال ،ثم يصرفون المال ليستعيدوا الصحة" " يفكرون بالمستقبل بقلق ، وينسَون الحاضر، فلا يعيشون الحاضر ولا المستقبل" " يعيشون كما لو أنهم لن يموتوا أبداً ، و يموتون كما لو أنهم لم يعيشوا أبداً " مرّت لحظات صمت .... ثم سألت :"ما هي دروس الحياة التي على البشر أن يتعلّموها؟ "فأجابني : " ليتعلّموا أنهم لا يستطيعون جَعل أحدٍ يحبهم،كل ما يستطيعون فعله هو جَعل أنفسهم محبوبين " " ليتعلموا ألاّ يقارنوا أنفسهم مع الآخرين " " ليتعلموا التسامح ويجرّبوا الغفران " " ليتعلموا أنهم قد يسبّبون جروحاً عميقةً لمن يحبون في بضع دقائق فقط، لكن قد يحتاجون لمداواتهم سنوات ٍطويلة " " ليتعلموا أن الإنسان الأغنى ليس من يملك الأكثر، بل هو من يحتاج الأقل" " ليتعلموا أن هناك أشخاص يحبونهم جداً ولكنهم لم يتعلموا كيف يظهروا أو يعبروا عن شعورهم " " ليتعلموا أن شخصين يمكن أن ينظرا إلى نفس الشيء و يَرَيَانِه بشكلٍ مختلف" " ليتعلموا أنه لا يكفي أن يسامح أحدهم الآخر، لكن عليهم أن يسامحوا أنفسهم أيضاً " j7j7j7j7:icon_razz::icon_razz:j7j7j7j7 شكرا إلك خيي أقتصادي على الحكمة و تقبل مروري |
إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك . قصة هادفة ومعناها اروع شكرا لك اخ اقتصادي تحياتي |
امثال حكم
لا تفتح باب يصعب عليك إغلاقه
* من حسد الناس بدأ بمضرّة نفسه * إعجاب الإنسان بنفسه دليل على صغر عقله * جارك القريب ولا أخوك البعيد * بالشكر تدوم النعم * إن لم تستحي فأصنع ما شئت * الدنيا حمقاء لا تميل إلا إلى أشباهها * الدهر يومان : يوم لك ويوم عليك * رب صدفة خير من ميعاد * الحذر لا يمنع من القدر * خير الكلام ما قل ودل * أصلح نفسك يصلح لك الناس * الشوف لنا والذوق لغيرنا * أتق المحارم تكن أعبد الناس * هناك بعض الناس أن أشبهتهم بالحيوان أهنت الحيوان * الغالب بالشر مغلوب * الصديق عند الضيق * الضحك بلا سبب قلت أدب * إذا دعتك قدرتك إلى ظلم الناس فأذكر قدرت الله عليك * كثرة العتاب تورث البغضاء * أشجع الناس أثبتهم عقلا في بداهة الخوف * لا شئ يأتي دون عناء سوى الفقر * سيفان في غمد واحد لا يجتمعان * الجهل هو الموت والمعرفة هي الحياة * إبليس كالفحمه إذا لم يحرقك يسودك * أخبر صاحبك كذبه فأن كتمها أخبره الحقيقة * ترى العين كل شئ إلا ذاتها * من يتكل على الأمل يموت جوعا * لكل زهره عبيرها * البضاعة الجيدة تبيع نفسها * لا تقع الشحره من أول ضربة فأس * لا نستطيع رؤية أخطائنا إلا بعيون الغير * لا يجني علة المرء إلا يده * ليست كل حقيقة تقال * لا تصدر حكما قبل أن تسمع من الفريقين * آلة السياسة سعة الصدر * لا نلتقط بندقية لكي نقتل فراشة * عند ألا عمى جميع الألوان تتشابه * من يؤلمه فمه يجد العسل مرا * أن أعطيت أنس وأن أخذت أذكر * السكوت رد جواب * معرفة العمل سهلة والصعوبة في العمل نفسه * القول أسهل من الفعل * ليس كل ما يلمع ذهب ولا كل ما يبرق فضه * ينام الحق أحيانا لكنه لا يموت * عذاب النفس أثقل من آلام الجسد * الطفل المحبوب له أسماء عديدة * رأس الحكمة مخافة الله * الحياء خير كله * لو غسلت الثوم بماء الورد لما زالت رائحته * القفل السيئ يغوي السارق * المرأة الصالحة والعافية هما أفضل غنى للرجل * الضربة بالضربة وانشالله تفهمونها وتعجبكم |
ابدء بكلمه شكرا وهيا قليله على ما نقلته لنا اخي لكريم
سلمت يداك على هذه الامثال الرائعه واود لكا كل الحب والاحترام تقبل مروري |
شكرا الى كل من مر بالموضوع
اخي فادي على الرد الجميل وفراس مشكور ايضا والله حي بو زريق لاجلك وغادة متعودين على مرورك الرائع دوما |
| الساعة الآن: 01:52 PM |
جميع الحقوق محفوظة موقع بلدة عرمان