الفصلالرابعكانت زمردة تشعر بالراحة وهي تتمشى في الطرقات،وكانت تحاول أن تحفظ الطريق الذي تسير فيه خشية أن تضلفقد تغيرت عليهاأشياء كثيرة خلال الخمس سنوات التي قضتها منعزلة.
شعرت بالمتعة حين تناهى إلىمسمعها بعض أحاديث الناس ،مرّ بجانبها طفلين فتاة بريئة تجري خلف طفل بنفسبرائتهاـــ انتظر أعدها إلي.
ـــ لا لن أعطيكي إياها.
ثم مرت بشاب يسيرالى جانب فتاة ويقول لها:
أعدكي أن احقق لكي جميع أحلامك لكن...
كانتالإبتسامة تكاد ترتسم في وجهها من جديد لولا ما حدث فجأةفقد سمعت صوت ارتطامشديد فاستدارت بسرعة فإذا بالناسيسرعون نحو سيدة ارتمت على الأرض وخرج صاحبالسيارةالذي صدمها محاولا مساعدتها، لكنّ المشهد الذي مزق قلبهاهو منظرطفلتها التي جلست إلى جانبها وهي تبكي وتصرخ:
أمي.. أميودموعها تبلل الأرضمن شدة بكائها وتختلط بدماء أمها...
لم تتمالك زمردة نفسها مما رأته فامتلأتعيناها بالدموعوأخذت تجري مبتعدة عن المكان وهي تطرد تلك الصورة المخيفةمنعقلها إلى أن هدأت وتوقفت لتجد نفسها في زقاق يبدو مهجوراـــ يا إلهي..كيف وصلتالى هنا وكيف سأعود؟!
لم تكد تكمل جملتها حتى أحست أن شيئا خاطفا قد مر بجانبهاوخطف حقيبتها واستمر يجري على طول الزقاقفصرخت بقوة ودون وعي:
لا أرجوكتوقف أتوسل إليكويبدو أن الصرخة التي أطلقتها أفزعت اللص فوقف دون أن يلتفتإليهاأسرعت إليه ثم توقفت في مكان يفصلها عنه مسافة مترينوقالت بصوتهاالذي خرج كالناي الحزين:
أرجوك خذ ما تريده لكن أعطني شيئا واحدا فقط إنه أثمنما املك أرجوووك!!
استدار اللص ببطء ونظر اليها وارتسمت في وجهه إماراتالدهشةكانت مفاجئة كبيرة له فقد صعق بجمالها وظل واقفا يرقبها بصمتونسي كلشيءفظنت أنه غير موافق على طلبها فسالت دموعهاتأملها قليلا ثم قال بصوتهادئ:
لماذا تبكين؟أجابت بيأس: أرجوك خذ الحقيبة ولكن أعطني ما أريد.
ـــوما هو هذا الشيء الثمين الذي احتفظتي به في حقيبتك؟ـــ إنها صورة أميالراحلة...لم يعد لدي سواهاوقع كلامها على الشاب كالصاعقة فبدأ جسده يرتجف ثمقال بصوت ضعيف:
أهذا هو ...أثمن...ما تملكين؟!
ـــ وهل يملك المرء أثمن منأمه؟ كم هو شعور قاس أن تفقدها.
ـــ هل...هل...أستطيع أن...اطلب منكخدمة؟امتلأ وجهها بإمارات التعجبـــ أنا؟..أخدمك؟وكيف ذلك؟ـــأعني...أنا اقصد...اسمعي وأرجوكي صدقي كل ما سأقولهـــ وكيف تريدني أن أصدقلصا؟!
ـــ لا أرجوكي...لست كذلك...صدقيني إنها أول مرة في حياتي أقوم بهابهذا العمل السيئ وقد كنت مترددا حتى وانا أخطف الحقيبة من يدكـــ إذنلماذا خطفتها مني؟ـــ ربما هي الأقدار قادتني لكي ألقاك وها أنا أعيدهالكياقترب منها وأعطاها الحقيبةتفاجأت زمردة مما فعله الشاب فهي لم تتوقع أنيجيبها الى طلبها بهذه السرعةـــ شكرا، شكرا لك، كل ما يهمني فيها هي صورةأمي.
مرة أخرى ارتجف جسد الشاب ثم قال: أ لهذه الدرجة تحبين أمك؟فأجابتهبتعجب: أهذا سؤال تسأله! أليس لك أم لتشعر بما اشعر،كل شخص يحس بنفس الشعورتجاه امه.
سرح الشاب مع نفسه وبدأ يتساءل: أحقا كل الناس تحس بنفس هذا الإحساسإلا انا؟!...أيعقل...أنا فعلا وحش بل أكثر من ذلك أنا بلا قلب...ياالهي.
وكانتزمردة قد أخرجت الصورة وتأملتها قليلا فانتبه الشاب اليهاوقرأ ما كتب خلفها: زمردة الشاكر وامهالاحظت زمردة أنه يرتجف بشدةـــ هل انت مريض؟ـــأبداـــ اسمح لي أن أشكرك من جديد لأنك أعدت إلي كنزي الكبير وبقيةحياتي.
لم يستطع الشاب أن يحتمل اكثر فجرى بسرعة مبتعدا عن المكانأما زمردةفقد بقيت تشيعه بنظرات حائرة الى ان اختفىـــ يا إلهي...كان يجب أن أسأله عنطريق العودة.
خرجت زمردة من الزقاق وانتظرت حتى مرت سيارة أجرى فأوقفتهاـــهل تستطيع أن تأخذني الى بيت شاكر الشاكر؟ـــ طبعا إنه معروف وقريب من هنا،تفضلي.
ركبت معه وكانت طوال الطريق تفكر في ذلك الشاب الغريبالى أن سمعتالسائق يناديها: لقد وصلنا يا آنسةـــ آه شكرا لك.
خرجت الحسناء من السيارةواستقبلها العم كايدـــ بنيتي لقد تأخرتي وقلقت عليكي ، الساعة الآن السابعةوالنصف.
ـــ آسفة يا عماه لقد تهت قليلا ولكني استطعت تدبر امري والحمدلله.
ـــ والآن يا ابنتي لابد أن والدك ينتظرك لذا اذهبي إليه يا عزيزتيـــحاضرة يا عماهومرة أخرى عادت الحسناء الى المكان الأشبه بسجنهادخلت القاعةواتجهت الى غرفة الطعام حيث كان السيد شاكربانتظارها على سفرة العشاءطرقتالباب ودخلت واستقبلها والدها بابتسامة تحمل كل معانيالعطف والشوقـــ اشتقتلكي ياابنتي هل استمتعتي بوقتك؟ـــ أجل يا أبيسحبت كرسيا وجلستفقاللها: ولاشك أنكي تشعرين بالجوع بعد هذه النزهة.
فتطلعت اليه وعيناها تصرخان:
كفى مجاملات...كفى كلاما فارغا...
أتسمي هذه نزهة!!
ثم قالت:نعم ابي أشعرببعض الجوعـــ إذن لنبدأ بالأكلاكتفت زمردة بكوب صغير من الحليب ثم استأذنتوذهبت الى غرفتهاوضعت حقيبتها على المكتب وأخرجت الصورة وضمتهاثم أعادتهاالى درجها الصغير كي لا يراها والدها،ثم استلقت على سريرها وأسلمت نفسهاللنوم.
* * *
ما زالت الأحداث مستمرة .
|