الفصل الثامن
كان الهدوء يغمر قصر السيد شاكر
الا من صوتالساعة التي دقت خمس دقات
أما في الخارج فالغيوم متلبدة
وكأنها تعلن عن بدايةعهدها من جديد،
والرياح الباردة تزأر كأنها تريد التهام المدينة
كانتنافذة الحسناء زمردة مفتوحة
حين هبت نسمة باردة الى داخل غرفتها
وهي جالسةأمام مكتبها تقرأ في كتاب
( قصة مدينتين)
الذيأهدتها إياه والدتها في عيد ميلادها
الذي حضرته لآخر مرة ثم رحلت
شعرتزمردة بالبرد فقامت الى خزانتها
وأخرجت معطفا أحمر لترتديه لكنهاترددت
فأعادته وأخذت آخر أسود وارتدته
ثم اقتربت من النافذة لتغلقها
فرأت العم كايد يقف مع شخصين لم تتبين من هما
أغلقت النافذة وعادت الىمكتبها
واستمرت في القراءة كانت قد وصلت الى نهاية القصة
فدمعت عيناها متأثرةبالأحداث
وخصوصا تضحية ذلك الشاب لإنقاذ رفيقه
وذهابه الى المقصلة بدلا عنه
مسحت دموعها وتنهدت:
آهياله من مخلص كميحتاج الانسان لوجود أمثاله،
آهليت لي شخص أعتمدعليه..
إن أبي لا يُعتمد عليه أبدا،
لم يفكر حتى في أن يرافقني حين أخبرته
أني أود الخروج..
وفوق ذلك أرسل لي رامي ليوصلني..آهكيف يفكر؟
طوال الخمس سنوات الماضية لم يشعر أني محتاجةاليه..
كل ما يقوله ويفعله مجاملات وتكلف مللتهما،
لم أشعر يوما بحنانه بصدقآه..
أغلقت الكتاب ووضعت رأسها عليه
وغطتهبيديها وبدأت تبكي
ـــ أمي أنا بحاجة اليكي..
أنتي الوحيدة التيتفهمني..
آهلماذا رحلتي أماه..
لماذا تركتنيوحدي لا صديق لي ولا قريب؟!..
في هذه الأثناء كان والد زمردة فيمكتبه
يقوم ببعض الأعمال ويوقع أوراقا لشركاته
أنهى بعضا منها ثم رتبهاووضعها في ملف
وقام متجها الى النافذة ليتأمل المنظر خارجا
ـــآهسامحيني يا زمردة أنا مضطر لذلك
فأنا لا أستطيع أنأراكي لا أستطيع،
كلما نظرت في عينيك أرى...انني أرى...
آهيجب أن تذهبي من هنا يجب ،
انكي تقفين فيطريقي.
أصبح الجو كئيبا واختفت الشمس تماما
خلف السحب الغاضبة
ـــيبدو أنها سوف تمطر
قطع عليه أفكاره صوت طرق خفيف على الباب
ـــ أدخل
كانالطارق هو رامي كبير الخدم
ـــ عفوا سيدي لكن هناك شاب في الخارج
يود أن يرىزمردة
خفق قلب السيد شاكر بشدة وسأل:
هل هو راضي؟
ـــ لا سيدي.. ثمقال لنفسه:
ولكني أشعر أني رأيته من قبل
ـــ ألم يقل ما اسمه
ـــ قال انهمجرد صديق
ـــ سأذهب لأراه لا تخبر زمردة بالأمر
ـــ حاضر
خرج السيد شاكرمن المكتبة
وتجاوز ممرا قصيرا وانعطف الى قاعة المنزل
أما رامي فقد أسرع الىغرفة زمردة وطرق الباب
رفعت زمردة رأسها عن الكتاب
وشعرت أن قلبها يخفقبسرعة دون أن تعرف السبب
فأسرعت وفتحت الباب
ـــ رامي ما الأمر؟!
فقالوهو يسترد أنفاسه:
عذرا يا آنسة ولكن الأمر ضروري
ثم أخبرها بأمرالشاب
انفعلت زمردة وقالت:
يالهي.. هل يمكن أن يكون..
ـــ من ؟!
ـــ لالاشيء
ـــ لقد طلب مني السيد شاكر الا أخبركي
ـــ لا تقلق لن يعرف أبيشيئا وشكرا لك
أسرع رامي الى القاعة
وهو يحاول أن يبدو على مايرام
أما السيد شاكر فقد خرج الى حديقة المنزل
وهناك كان يقف نبيل بطولهالجميل ورشاقته الجذابة
ووجهه الأبيض الذي لمعت فيه عيناه الخضراوان
من أنت أيها الشاب وماذا تريد؟
امتقع وجه نبيل من هذهاللهجة
التي لا تشجع على المتابعة
ـــ أنا صديق...صديق زمردة
ـــ كيفتجرؤ على ذكر اسم ابنتي على لسانك أيها الوقح؟
زمردة لا تعرف أحدا هيااغرب..
وهنا قطع كلامه صوت رقيق
ـــ انتظر يا أبي
التفت شاكر خلفه فرأىابنته تقف حاملة مظلة وردية اللون
ـــ زمردة هل تعرفينه؟
ـــ أبي هذاالشاب أعاد إلي حقيبتي
حين سرقها أحد اللصوص
شعر نبيل في بداية كلامهابالاضطراب
لكنه عندما أكملت جملتها تنفس الصعداء
وقال في نفسه:
لقد ورطتنفسي وورطت زمردة معي
ـــ حقا زمردة!
ـــ أجل أبي وقد طلبت منه أن يأتيلأشكره
ـــ حسنا أعطه بعض المال ولينصرف بسرعة
ـــ كما تريد أبي
ثم دخلالسيد شاكر الى البيت
وابنته تلاحقه بعينيها ثم التفتت الى نبيل
الذي كانيشعر بنشوة فرح في أعماقه
ـــ أشكرك يا آنسة لقد خلصتني من هذهالورطة
ـــ هل لي أن أعرف لماذا جئت؟
ـــ ألم تعجبكي زيارتي!!
ـــ لا علىالعكس
ثم شعرت بالخجل وقالت:
أخبرني رامي أنك طلبتني فكيف عرفت اسمي
ابتسمنبيل
ـــ من الصورة فقد كان اسمك مكتوبا عليها..
عفوا لم أعرفكي بنفسي أناأدعى نبيل
ـــ تشرفــ...
لم تكمل كلمتها
فسألها: لماذ لم تكمليعبارتك؟!!
ـــ ليس قبل أن تقطع علي وعدا بعدم التفكير
بالسرقة ثانيتا
احمر وجهه وقال:
هذا وعد علي يا زمردة لن أعود للسرقة
ما حييت ومهمابلغت حاجتي
ـــ إذن تشرفنا
وفي هذه اللحظة أشرق وجه حسنائناأخيرا
بابتسامة تبعتها ضحكة خفيفة
زادت وجهها حسنا وبهاء
فشاركها نبيلالضحك وهو يتأمل جمال ابتسامتها العذبة
وأردف نبيل:
لقد جئت يا زمردةلأشكرك
ـــ تشكرني ؟! على ماذا؟
ـــ لأنكي أعدتي إلي عقلي وقلبي
الذيكان كالصخر،
في ذلك اليوم حين رأيت حرصك على صورة أمك
أدركت كم أنا مخطئ بحقأمي
ـــ مخطئ في حق أمك؟ كيف ذلك؟
ـــ انها قصة طويلة، ولكني أحببت أنأشكرك
ـــ بل أنا التي أريد أن أشكرك
لأنك أعدت الي ابتسامتي التيافتقدتها منذ زمن
ثم عم الصمت عليهما وهما يتبادلان النظرات
وفجأة برقتالسماء وبدأت قطرات المطر
تتساقط شيئا فشيئا
قطع نبيل الصمت بقوله: يجب أنأذهب
فعاد الشحوب الى وجهها وقالت:
آسفة على ما حدث قبل قليل معوالدي
واعذرني لأني لن أستطيع أن أقول لك تفضل
ـــ لا تهتمي أنا أقدرموقفك،والآن الى اللقاء
ـــ انتظر خذ هذه المظلة
فالمطر قد اشتد وربما تصاببالزكام
التفت نبيل اليها ثم اقترب ببطء ومد يده
ممسكا بعصا المظلة ووقفتحتها مع زمردة
وقال وعيناه تفيضان رقة وحنان:
شكرا لكي، عليكي أن تدخلي حتىلا تبتل ثيابك..
الى اللقاء
الى اللقاء...أحقا سنلتقي ثانيةً؟
وبينما كان يخرج اصطدم بشاب وسيم جدا أشقر طويل
ـــ ألا تنتبه أيهاالفتى؟
ـــ عذرا..آسف
أبعده الشاب من أمامه ودخل
ووقف نبيل خارج حديقةالقصر يتساءل:
ترى من يكون؟..
ثم سمع صوتا يناديه فتذكر فجأة:
أوه لقدنسيت ماجد
ثم أسرع نحوه حيث كان ينتظره على مقربة من القصر،
كان يقفمبتسما وبادره بقوله:
هل وفقت في عملك؟
نظر اليه نبيل بريبة: ماذاتقصد؟
ـــ آه لا شيء هيا بنا نعود فالجو بارد جدا
وكما ترى فقد تغرقت بالماءوحضرتك
تستمتع بوقتك مع الآنسة المحترمة
تحت هذه المظلة
خجل نبيلورفع المظلة عليهما وانطلقا يحثان الخطا
أما زمردة فقد تفاجأت من هذاالشاب
الذي دخل الى الحديقة ولم تشعر بالراحة نحوه
ـــ من أنت؟
ابتسمقائلا:
أنا أدعى راضي، هل السيد شاكر موجود؟
ـــ أجل تفضل
ثمتركته ودخلت مسرعة وكان رامي في القاعة فقالت له:
رامي هناك شخص يريد أبي
ثمذهبت الى غرفتها لتغير ملابسها التي بللها المطر
استقبل رامي الشاب راضي ورحب بهعلى مضض
فهو لم يحب هذا المخلوق المتعجرف
ـــ أهلا سيد راضي تفضل من هناسأستدعي السيد شاكر
ـــ انتظر أين هو الآن؟
ـــ في المكتبة
ـــ حسنا هذامناسب أخبره أني أريد مقابلته هناك
ـــ حاضر
ذهب رامي الى المكتبةوأخبر السيد شاكر بقدوم راضي
ورغبته في أن تكون المقابلة في المكتبة
فوقفشاكر مرتبكا ثم سأل:
هل معه أحد؟
ـــ لا يا سيدي لقد جاء بمفرده
ـــ هلعرفت زمردة بقدومه
فهم رامي ما يرمي اليه مخدومه
فقال مطمئنا اياه:
لقدرأته لكني لا أظنهما تحدثا مع بعضهما
ارتاح السيد شاكر
ـــ حسنا هذاأفضل دعه يدخل بسرعة
ـــ حاضر
كان رامي يشعر بالحزن لما يفعله شاكر،
ويجهل سبب إخفائه الأمر عن زمردة
ولماذا يريد أن يزوجها لهذا الشاب؟
وكانيود لو يسألها لكنه خشي أن يثير المشاكل
كما أنه شعر بالقلق من نبيل الذي جاءيطلب مقابلة زمردة،
لذلك أخبرها بقدومه لعله يعرف منها شيئا عنه
لكنه لميصل الى شيء، ومع كل ذلك فقد كان
يخفي مشاعره تجاه زمردة فهو يحبها...
نعمليس ذنبه أنه أحبها مذ رآها أول مرة قبل ست سنوات
حيث كانت كالفراشة تملأ القصربجمالها
وحيويتها ومرحها،
كانت لا تفارق أمها وتحبها بل وتعشقهابجنون...
استيقظ رامي من أحلامه وأسرع الى راضي
وقاده الى المكتبةثم طرق الباب وفتحه
فدخل راضي رافعا رأسه واثقا بنفسه
أغلق رامي البابوذهب
كان السيد شاكر جالسا على مقعده
وحين دخل راضي استقبله بترحاب:
أهلايا بني تفضل اجلس.
ومع ذلك فقد شعر بالريبة من هذا القدوم المفاجئ
تكلم راضيبصوته الرنان:
كيف حالك يا سيد شاكر؟
ـــ ببـ بخير، كيف حالك أنت وكيفوالديك؟
سار راضي بخيلاء ثم جلس على كرسي أمام المكتب
ووضع احدى رجليهعلى الأخرى وقال بصوت
لا يخلو من السخرية:
امممم..بخير بخير، كيف هيزمردة؟
ـــ انها بخير
ـــ هل أخبرتها بأمر الخطوبة
ـــ لا... لا ليسبعد
ـــ اممم..جميل..ومتى ستخبرها؟
ـــ قريبا جدا
ـــ أيضا جميل..هل لي أنأسألك سؤالا؟
ازداد ارتباك شكر
ـــ طبعا طبعا تفضل
فقال راضي دونمقدمات:
هل لي أن أعرف لماذا تريد تزويج زمردة دون موافقتها؟
امتقع وجههوقال:
ككـ كيف دون موافقتها يا بني؟
سبق وأن قلت لك أنها أخبرتني أنها ستوافقعلى أي كان
وقف رامي وقال بطريقة غير مهذبة:
آه..دعني أكن صريحا معك يا سيد شاكر
ثم اتجه نحو النافذةوقال:
المراوغة لعبة لا تنفع معي،
كما أنها ليست في صالحك
وقف شاكر وقدنفذ صبره وهتف:
بحق الله ماذا تقصد؟
فأجابه ببرود:
على رسلك يا سيدشاكر
ثم أصبحت لهجته مهددة:
إما أن تخبرني بالحقيقة وإما أن أذهبالآن
وفي هذه اللحظة لأخبر زمردة...
قاطعه شاكر:
انتظر..انتظر يا بني تعالاجلس
ابتسم راضي بمكر شديد
* * *
نتابع بقيهالروايه
|