الفصلالخامس كانت الطفلة الصغيرة لولو تحوم حول والدها ماجد لكنهلم يلتفت لهافنظرت إليه أماني وهي زوجته طيبة القلب رقيقة المشاعرورغمانها ليست بغاية الجمال إلا أنها تأسر المتحدث إليهابنظراتها الفاتنةـــما بك يا ماجد تبدو شاردا؟انتبه ماجد وقال: لا يا عزيزتي ليس هناك شيءفابتسمت وقالت:
أنا زوجتك وأفهمك جيدا هل تفكر في صديقك نبيل؟تطلعإليها بحنان وعطف:
آه يا حبيبتي كم أنت رائعة لقد أدركت فورا بم أفكرضحكتواستطردت: مابه صديقك هل يواجه مشكلة ما؟ـــ لا ولكن اليوم عندما أعددتي الطعامصعدت لأعطيه إياهفلم أجده مع أنني أخبرته بأني سأعود حالاـــ لعله خجل ولميرد أن يتعبكـــ ربما ولكني قلق لأنه لم يعد بعدـــ عزيزي الساعة الآنالسابعة والنصف وهو عادة ما يعودفي الثامنة أو الثامنة والنصف أليس كذلك؟لابد أن هناك أمرا آخر يقلقك!
ـــ لا لا...أعني...
ـــ لا بأس لا أريد أنأضايقك عزيزيوقف ماجد واقترب من زوجته وأمسك بكفيها وقبلهما وقال:
كم أنترائعة يا حبيبتي احمرت وجنتاها وقالت: وأنت كذلك حبيبي ثم حمل ابنته وهويقول:
ليساعدني الله في أن اجعل كل حياتكم سعادة وفرحـــ أنت سعادتناوفرحناثم انتبه الجميع الى صوت جريـــ هل سمعت لابد أنه صديقكفقال ماجدبتوتر: ولكن مابه ليست عادته أن يأتي مسرعا هكذا...
يا إلهي هل...يمكن أنيكون...
ثم أسرع وخرج من البيت صاعدا الى الأعلى حيث كان الباب مفتوحافدخلووجد نبيل مستلقيا على السرير وقد أخفى نفسه بالغطاءـــ نبيل ما بك ماذاحدث؟وعندما لم يجبه صرخ ماجد: نبيل أجبني.
فأتاه صوته مكتوما: لقد..لقد سرقتيا ماجدـــ ماذا قلت؟أنت أحمق..
ثم رفع غطاءه بقوة وأمسكه بعنف من كتفيهوأجبره على النهوضوهزه وقال صارخا في وجهه: تبا لك لماذا فعلت ذلك؟ألمتقل لي أنك عدلت!!كنتُ غبيا حين صدقتكوبالغ في توبيخه الى أن أبعده نبيل بقوةوقال:
أرجوك افهمنيهدأ ماجد واخذ يسترد أنفاسه وقال بصوت حزين:
ماذاتريدني أن أفهم يا نبيل؟ لقد خيبت...
ـــ أرجوك لا تتسرع دعني أشرح لك الأمر لقدحاولتأن أسرق لكني...لكني..
ـــ لكنك ماذا؟ـــ لقد خطفت حقيبة من فتاةلكني أعدتها لها.
ثم راح يبكيتأثر ماجد لبكاء رفيقه وقال بصوت ينم عن الرضا:
لا زلت كما عهدتك تفعل الخطأ ثم تصححه فورا...
ولكن لماذاتبكي؟؟!
إذن كان الشاب الذي قابلته حسناؤنا هو نبيل وهكذا حكى نبيل لماجدما حدث وكيف أنه تأثر بكنز هذه الفتاة،لكنه لم يعرف كيف يخبرهعن مشاعرهالتي تضطرب داخله كيف تحرص فتاة على صورةأمها بينما هو...هو..
أخذ نبيل يجهشبالبكاءوكان من اليسير على ماجد أن يفهم السبب فقال له برقة:
أفهمك نبيلأنت تحاول ان تقارن بينك مع أمك وبين هذه الفتاة وأمهاـــ كفى...أرجوك كفىفقال ماجد بلهجة قاسية فاجأت نبيل:
أنت تصم أذنيك عن الحقيقة مع أنك تشعر بها في أعماقك،أنت تستحق هذا العذاب الذي يجتاحك الآن يا نبيل.
ـــأرجوك لا تزد علي فصرخ ماجد: إذن لما لا تعقل وتذهب لزيارة أمك؟ثم تركه وخرج آملا أن يتأثر بكلامه.
عاد ماجد الى بيته غاضبا واستقبلته زوجته وطفلتهاـــ خيرا ماجد تبدو متعبا!!
شعر بالراحة حين رآهما فحمل لولو وضمهاإليه وجلس ثم قال:
تعالي يا أماني لأخبركي بقصة نبيل.
اقتربت أماني وجلست،كان بيتهم متواضعا جدا يحوي غرفتين ومقاعده بسيطة ومع ذلك فقد عنيت به اماني وغدا انيقا مرتبايرتاح الجالس فيه.
عندما جلست أماني نزلت لولو من حضنوالدها واتجهت الى أمهاالتي قبلتها وأجلستها في أحضانها الدافئة وقالت:
إنني اسمعك ماجدتنهد ثم قال: أنت تعلمين أن نبيل هو صديق طفولتيـ ــ أجل اعلم ذلكـــ ولكنك لا تعلمين كيف كانت حياته في صغرهـــ وكيف كانت؟ـــلقد ولد نبيل يتيما فقد مات والده في يوم ولادته يا إلهي وكيف مات والده؟ـــ لقد كان والده شابا فقيرا أحب والدة نبيل وكانت هي ايضاابنة أسرةفقيرة،فطلب يدها ووافق أهلها وبعد أن تزوجا عاشا حياة صعبةيعانون الفقروكان والد نبيل يعمل في المحجر وفي احد الأيامكان هناك مع رفاقه حين جاء جارهالذي يعمل معه أيضاـــ أعطني البشارة يا سمير فقد كنت مارا من جانب بيتك وسمعت صوت بكاء فاستفسرت فأخبرتني المولدة أنك رزقت طفلاتهلل وجه سمير بهذاالنبأ: أحقا تقول؟ـــ نعم كما أن زوجتك تسألك ماذا ستسميه؟ـــ نبيل... سأسميه نبيل.
لم يكد المسكين يكمل اسم ابنه حتى وقع انهيار مات فيه الكثيرينوكان هو من بينهم غير أن الرجل الذي بشّر سمير بابنه نجا بإعجوبةوأخبروالدة نبيل عن رغبة زوجها.
نظر ماجد الى زوجته فرأى الدموع في عينيهافبادرته:
يالها من مسكينة وماذا حدث بعد ذلك؟ـــ كانت صدمة كبيرة للشابةالمترملة لكنها عاهدت نفسهاعلى أن تفعل المستحيل لتسعد مولودها الصغير فباعت منزلها البسيط لتستطيع العيش من خلال ثمنه في اوائل ايامها العصيبةثم سكنتمع طفلهافي غرفة على سطح منزل استأجرتها بثمن رخيص،كان والدها قد توفي قبل فترةإثر نوبة قلبية شديدة أصابته بسبب ابنه الذي كان قد رهن منزل والدهوهكذا توالت عليهم الديون فرحل تاركا زوجة لم تحتمل قسوة الأيام فلحقته لترتاح من هموم الدنيا أما ابنهما فقد اختفى ولم يعرف احدعنه شيئاوقيل أنه تسلل الى إحدى السفن وألقى نفسه في وسط البحرومن حسن حظ والدة نبيل أنصاحب الديون تخلى عن حقه بعد أن علم بحالتهاوإلا لكانت ألقيت في السجن معابنها، بعد ذلك قررت أن تعمل...
قاطعته أماني:
انتظر يا ماجد أردت أن اسألكقبل ان تكمل اين هي والدة نبيل الآن؟ابتسم ماجد بأسى وقال: انتظري ياعزيزتيوستعرفين كل شيءـــ آسفة تفضل أكملـــ بدأت والدة نبيل العمل في البيوتلكسب رزقها وفعلت ما بوسعهاليكون ابنها نبيل كبقية الأطفال واستطاعت ان تلحقهبالمدرسةوعندما انتقل الى الثانوية مرضت أمه، فقد اتعبها العملالمتواصلـــ ونبيل؟؟ـــ نبيل؟..للأسف لم يكن كما كانت والدته، لم يفكر سوىفي نفسه متناسيا هلاك أمه في سبيل راحته فعندما أصبحت في أمس الحاجةاليه،طريحة الفراش لا تقدر على مساعدة نفسها قرر أن يتركها ويذهبانفعلتأماني وهتفت:
يا لقسوته وأين يريد أن يذهب ولماذا؟ـــ قرر أن يرحل وحسب،لايريد أن يعود اليها فهي في نظره سبب تعاستهـــ وكيف ذلك؟ـــ لأنها رضيتأن تكف عن العمل مع انه بحاجة للمال ليكمل دراستهـــ ياإلهي..ولكنهامريضةرفعت لولو رأسها الى أمها متعجبة من بكائهافأمسكت كفها ببراءةوقبلتهاـــ أنا أقدر شعوركي لكنه يا أماني كان ولدا وحسب ولا يُستغرب أنيفكر بطريقة خاطئةـــ وماذا بعد؟ـــ في أحد الأيام نفذ صبره وغضب من أمهوقال لها انه سيذهب ولن ترى وجهه مرة أخرى وقد كنت في هذا اليوم معه وحاولت نصحه لكن بلا فائدة،ورأيت منظر امه وهي متهالكةفي فراشها ودموعها تبلل وجههاترجوه ألا يتركها لكنه...
صمت ماجد ليمنع دمعة كادت تتسلل من بين أهدابه ثم تابع: لم يرحم ضعفها وتوسلها ومازلت أذكر ما قاله حينهاـــ وماذا قال؟ـــأبعد يد والدته عنه بعنف وقال:
عليكي ان تفهمي انني إن بقيت معكي ستدمر حياتي مابين رعايتك والإعتناء بكي وأنا لست مستعدا لذلك، ثم انطلق خارجا وأمه تصرخ وتترجى وتمد يدها بتوسل ثم سقطت عن السرير وفقدت وعيهاـــ يا إلهي..كيفاستطاع أن يفعل هذا؟كيف سمح له قلبه بكل هذا الإجرام؟ـــ استدعيت صاحبةالغرفة التي استأجرتها أمه وكانت طيبة القلب فطلبت منها ان تساعدها فلمتتردد،اعتنت بها وأبقتها عندها في الغرفةدون أن تطلب أو تسأل عن الأجر وكنتاحيانا ادفع لها أجرة الغرفةفتقبلها مرغمة بعد إلحاح مني وكنت بين فترة واخرىأزور والدة نبيل وأخبرها بأخباره، وقد انقطعت عن ذلك منذ فترة طويلةـــ إذنانت لا تعرف أين هي أم نبيل الآن؟ـــ بلىـــ حقا؟ـــ نعم..هل تذكرين منشهرين حين عدت من العمل مبكراواستغربتي الأمر؟ـــ نعم اذكر ويومها خرجتولم تخبرني الى أين تريد الذهابـــ صحيح ، في ذلك اليوم ذهبت لزيارتها في نفس المكان هتفت:احقا ياماجد وهل..وهل...
ـــ نعم مازالت على قيد الحياة مع تلك المرأة الطيبة ولكن...
ـــ ولكن ماذا؟ـــ لم تعرفنيـــ بالطبع لن تعرفك فقد غبت فترة طويلة عنهاـــ ربما ولكني عندما ذكرت لها ابنها نبيل قالت:
أنا ولدي مات منذ زمن بعيد..!
ـــ ياإلهي كم هي مسكينة،ألم تبكي؟ـــ بلىبكت لماذا تسألين؟ـــ هذا يعني أنها مازالت تود رؤيته وتشتاق إليهـــ لاأعرف ولكني أتمنى ذلك، ليت نبيل يزورها خصوصاأنها كانت مريضة جداانقطع حديثهما على صوت طفلتهماـــ ماما... لماذا تبكين؟ـــ آه يا حبيبتي ضمتهابعطف شديد وهي تذكر تضحيات تلك المسكينةفي سبيل ابنهاوقف ماجد واقترب منهاومسح دموعها وضمها وابنته.
وللرواية بقية ..!!